ارتسامات من وحي الذاكرة

بقلم خديجة لعويني

ما جالست في ايامي كهلاً قط  و الا خرجت منه بمكسب ، ذلك انهم كتلة متحركة من التجارب العميقة لا سيما اولئك الذين دعستهم الحياة و مرّغت انوفهم بالتراب ، مجرد التأمّل فيهم فقط يمنح احساساً  مذهلاً بالعجب ، تشعر لوهلة ان الكيان القابع امامك هو شيء مقدّس و انه لتوه نزل من الجنّة فتروادك نفسك أن تلمسه و تتحسه و تتبرّك بالتجاعيد الراسمة لملامحه العتيقة ، و في نفس اللحظة يراودك احساس معاكس ان الذي امامك « تحفة بشرية » في متحف الحياة تضج بالعبر و التجارب و لا يجوز بأي حالٍ من الأحوال لمسها او الإقتراب منها عن كثب ……عم “عمر” واحد من هؤلاء ….يمر غالبا بعربته لبيع “المستورة”….منذ سنين يمتهن هذا العمل الشاق خاصة وانه لم يعد يقوى على التحرك بسهولة ….اليوم لم يات وحيدا….كان برفقته ابنه الذي اصر على مرافقته رغم رفضه  لذلك… ووجدتني اهرع لعم عمر في انتظار خروج ” يوسف ” المترنح من للمدرسة…. فانا احب مجالسة الشيوخ… تخرج الكلمات من لهاته لا من حلقِّه فاترةً مُرهقة و برغم اني كنت اتلذذ بالإستماع إليه الا اني كنت اشفق عليه من تلك الطاقة الهائلة التي يبذلها في الكلام ، ساقنا الحديث الى احوال البلد و تغيّر الناس و الأزمان فقلت له : إعطني مما اعطاك الله ، قال لي : يا بنيتي « اني جُبت البلاد طولها و عرضها ، عايشت الناس بمختلف تبايناتهم ، كنت اعيش اللحظة باللحظة لا افكر في الماضي و لا احمل هم المجهول  ، عانيت ما قد عانيت و ارتشفت السعادة جُرعاً متقطّعة لكني لم اجد نفسي بين ذراعيها ….  قابلت الحليم و الكريم ، و اكتسبت الحكمة من المتغطرس و المتعجرف و الاحمق المتملق ، امتهنت من المهن الهامشية ما لم يخطر ببالك ، ربطت بطني مراراً من الجوع لكني لم اذل نفسي يوماً لبشري ، هذه الوسمات في وجهي لم تأتي عبثاً … احببت و خذلت و حلمت و تمردت ، تزوجت و انجبت و لي من الاحفاد مثلك ، لكني لم اجد زوجةً احن من الحياة…….و ها أنا الى اليوم احبها بعد ان قوّست ظهري و لأن قدر المحبين الفراق اتمناه فراقاً هادئاً في حضنها ، احبيها يا ابنتي و لا تضجرى منها و لا تشتكِ ، ستجدين نفسك مرغمةً تسبحين في بحر من الذنوب لذا جاهدى بنفسك لتصلي مرسى الأمان واياك ان تطاوعيها في كل حالاتها حتى و لو كانت ستحشرك في غمّها khadijaبضع سنين و كوني في اي وقت على اتم الجاهزية لعناق ابدي قد تعانقك اياه » ، فصمتُ بُرهةً ثم أنصرفت عنه  وقد ذهلت لهذه البلاغة …

اردتها تحية لعم “عمر”رغم يقيني انها لن تصل اليه….

محرز العماري

محرز العماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *