اردوغان في تونس .. لماذا ؟

بقلم الدكتور احمد القديدي

مفاجأة سارة و منعشة للقلوب أسعدتنا أن يستقبل الرئيس قيس سعيد أول رئيس دولة شقيقة منذ تسلمه الرئاسة و أن يكون هذا الضيف المبجل هو رئيس جمهورية تركيا رجب طيب أردوغان يوم الأربعاء 25 الشهر الجاري. حللت أهلا و نزلت سهلا يا رجل الكبرياء و المواقف المشرفة و أحد مؤسسي منتدى كوالا لمبور لجمع كلمة المليار و 700 الف مسلم في العالم و منجز معجزة تركيا التي قفزت من الدرجة 93 في سلم الدول من حيث التنمية و التقدم الى الدرجة 16 و كان لك شرف تصنيف تركيا ضمن العشرين الأقوى و الأكبر مرحبا بك في أرض تونس التي كانت الرائدة في اعلان الربيع العربي حتى لو تعثر ربيع الحريات و المجد بسبب رياح أعداء الشعوب أولئك المرتزقة المتمعشين من أموال القوى الأجنبية التي لديها حنين للعبودية و تكميم أفواه الأمم المستضعفة حتى لو عطلت منظومة الفساد العالمية الإستعمارية و المذيلة للصهيونية حلول الربيع بتأبيد شتاء القهر و القتل و التعذيب و دفن المعارضين في خرسانة الجسور و تشريد عشرين ألف مواطن في المنافي! حللت أهلا في أرض عقبة ابن نافع وابن خلدون وطارق بن زياد والوزير خير الدين باشا التونسي صاحب كتاب (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) الذي عينه أجدادك في منصب الصدر الأعظم في دولة الباب العالي أي رئيسا لحكومة الخلافة العثمانية أيام كان المصلحون يتولون المناصب لا أيامنا هذه التي ملأت المسؤوليات بالمفسدين. بعد الترحيب بالضيف لا بد أن نشير إلى أن الزيارة القصيرة توجت ملفا من التعاون الثري بين الدولتين و خصصت لإعلان مشاريع مفيدة للشعب التونسي منها بناء تركيا لمستشفى الأطفال و توريدها لمحصول التمر و زيت الزيتون و مضاعفة التبادل التجاري ثم للتشاور حول الجوار التونسي و لبحث الوضع الخطير الذي تعيشه أقرب شقيقات تونس وهي ليبيا الجريحة التي تتحمل أوزار حرب أهلية لم تعد أهلية لأن بعض قوى الردة و الاستعمار الجديد و الميليشيات الأجنبية تدخلت الى جانب التمرد ضد الحكومة الشرعية المعترف بها أمميا و دوليا و لأن السلاح و الأموال تتدفق على المتمردين و تقتل الأبرياء و المدنيين من أبناء الشعب الليبي أخرها قصف طائرات عربية لسوق في بلدة (مسلاتة) و قتل النساء و الأطفال و كما قال الرئيس أردوغان فإن تونس الجارة الأقرب و ذات الحدود الأطول مع ليبيا و صاحبة العلاقات القبلية و الأسرية العديدة مع الشعب الليبي هي في مرمى و استهداف أعداء الشرعية و ذوي المصالح الضيقة الأنانية و المستهينين بأرواح الليبيين من أجل كسب منابع النفط و الغاز في ليبيا و تنصيب دكتاتور عسكري متمرد يعيد تاريخ سيده معمر القذافي! أكد الرئيس أردوغان أن مسار برلين الذي ينطلق مطلع السنة الجديدة بعد أيام قليلة هو الذي نعقد عليه الأمل لأن ألمانيا دولة محايدة و لديها دبلوماسية غير منحازة و قوية التأثير و أعلن أنه طلب من المستشارة أنجيلا ميركل أن تدعو لمؤتمر برلين كلا من تونس و الجزائر و قطر لأن هذه الدول حسب رأيه مؤهلة للإسهام في إيجاد حلول سلمية وفاقية لمعضلة ليبيا وهي دول تتمتع بثقة الليبيين و تقديرهم. أما لمن يجهلون تاريخ العلاقات النركية الليبية العريقة فنقول بأن الجنرال التركي مصطفى كمال أتاتورك حين كان صلب الجيش العثماني أرسله السلطان عبد الحميد الى ليبيا عام 1911 للمشاركة في مقاومة و دحر الاستعمار الإيطالي الفاشي التنصيري و أن أتاتورك أصيب بشظية مدفعية في عينه في معركة (درنة) و رافقته أثار الجرح طول حياته وهو نفسه الذي تسلم السلطة بعد السلطان عبد الحميد سنة 1923 و أجبرته القوى الإمبراطورية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى على توقيع معاهدة 24 يوليو 1923 المذلة المهينة لتركيا وهذه المعاهدة تدوم قرنا كاملا و ستنتهي سنة 2023 و ينطلق العملاق التركي من عقاله ليفرض حضوره القوي و المشروع و السلمي على الساحة الدولية. إن أمن تونس وأمن تركيا وسلامة البحر الأبيض المتوسط كلها رهينة انتهاء الصراع في ليبيا فإما انتصار الشرعية والديمقراطية و إرادة الشعوب التي يمثلهما فايز السراج باعتراف المجتمع الدولي بأسره و إما الإنهيار و الردة و النكوص التي يريدها المتمرد المتقاعد حفتر و ذراعه اليمنى الإرهابي المطلوب لدى محكمة الجنايات الدولية محمود الورفلي الذي يقتل الأبرياء برشاشه أمام الناس و يصور المذابح بالفيديو دون حياء أو أخلاق! وهو ما ينتظر شعوب الجوار إذا ما انهزمت الشرعية في ليبيا الشهيدة لا قدر الله. العالم الإسلامي يتحرك نحو انعتاق طاقاته و استعادة أمجاده و استرجاع ثرواته و صنع مصيره بأيدي أبنائه بعد أن صادرته منظومة (بريتن وودس) اللبيرالية المتوحشة منذ تقاسم تركة الرجل المحتضر (أي المشرق الإسلامي) كما شاءت معاهدة (سايكس بيكو) لسنة 1916 !

محرز العماري

محرز العماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *