الإسلاميون وفكرة الانسحاب من الصراع على السلطة

تجددت محنة الإسلاميين مرة أخرى، بمستوييها، ظلام ومأزق بعد أن اعتقد الجميع أن محنة الإسلاميين طويت مع انطلاق الثورات العربية التي كانوا بشكل أو بآخر أكثر المستفيدين منها، وتحرر الكثير منهم من السجن مع بداية الربيع العربي. هذا التحول الكبير في المنطقة -الذي دشنته تونس بهروب زين العابدين بن علي في 14 يناير/كانون الثاني2011- نقل الإسلاميين من وضع إلى آخر، ومن موقع إلى موقع مختلف. خاض الإسلاميون غمار الانتخابات التي جرى تنظيمها في البلدان التي أطاحت بأنظمتها أو شهدت تغييرا معتبرا، كتونس ومصر والمغرب وليبيا، وحققوا فيها نتائج معتبرة، مكنتهم من قيادة الحكم أو المشاركة فيه بأقدار.

لم تكد تمضي أشهر في بعض هذه البلدان وفي الأقصى سنوات معدودات، حتى دارت عجلة الأوضاع إلى الوراء، وبدت الدولة وكأنها تلفظ أجساما غريبة، عسر هضمها، وتعذّر إدماجها، فإذا بهذه التيارات الإسلامية، تجد نفسها في وضع لا تحسد عليه.

الإسلاميون يشعرون اليوم أنهم -بعد عقود من التدافع والعمل على التمكين لمشروعهم، والإسهام في حركة التغيير والتحول بالمنطقة في السنوات العشر الأخيرة بعد الربيع العربي- قد عادوا من حيث انتهوا قبل تلك اللحظة التي انطلقت فيها شرارة الانتفاضات العربية.

كانت البداية مع مصر، أطيح فيها بالرئيس المنتخب محمد مرسي بعيد عام فقط من اعتلائه كرسي الرئاسة، ثم تلاحقت الأحداث من ليبيا فالمغرب والجزائر، انتهاء بانتكاسة تونس.

تراجع المشهد السياسي في جل البلدان العربية إلى ما قبل الثورات العربية، وبعضها تدحرج إلى أسوأ من ذلك. فاستهدفت جميع القوى السياسية دون استثناء، بقواها المحسوبة على التغيير، وتلك التي ساندت الثورات المضادة، فتحول القمع إلى أعدل الأشياء قسمة بين الجميع.

تلاوم الجميع، وتبادلوا الاتهامات عمن يتحمل المسؤولية عن هذه الانتكاسة التي تعيشها المنطقة مجددا بعد سنوات قليلة من انطلاق الثورات. ولئن تفاوتت التقييمات، فقد كان نصيب اللوم والنقد وتحميل المسؤولية للإسلاميين هو الأكبر. وتراوح لوم الإسلاميين، بين الحديث عن التفريط في الثورة والتحالف مع الدولة العميقة والجيش، وبين التأكيد على أن الإسلاميين دخلوا تجربة وغمار الحكم بدون رؤية في التسيير ولا حكمة في التدبير، متجاهلين موازين القوة الداخلية والإقليمية والدولية المتحفظة إجمالا على التعامل معهم.

يشعر الإسلاميون اليوم أنهم -بعد عقود من التدافع والعمل على التمكين لمشروعهم، والإسهام في حركة التغيير والتحول في المنطقة في السنوات العشر الأخيرة بعد الربيع العربي- قد عادوا من حيث انتهوا قبل تلك اللحظة التي انطلقت فيها شرارة الانتفاضات العربية. لكن هذه المرة، فضلا عن شعورهم بالعودة إلى ما يسمى بطور المحنة، وجدوا أنفسهم يواجهون أيضا مأزقا حقيقيا، مفاده أن وجود الإسلاميين كقوة سياسية وحزبية، يمثل عائقا أمام التحول الديمقراطي، ويحدث انقساما في المجتمع تستغله القوى المناهضة للتغيير وتلعب عليه كورقة لتقويض أي جهود للإصلاح أو المطالبة بالديمقراطية. انعطفت محنة الإسلاميين على مأزقهم، لتتكثف داخلهم وحولهم أسئلة مصيرية، وجدل واسع: يدور في مجمله حول أين المشكلة وما العمل؟ الجواب: انسحاب الإسلاميين من الصراع على السلطة.

انسحاب الإسلاميين من الصراع على السلطة، كأطروحة للحل، لم يناد بها ويدفع إليها خصوم الإسلاميين فقط، ولا حتى أصدقاء الإسلاميين فقط، إنما تحولت إلى فكرة متداولة داخل الإسلاميين أنفسهم. عبّر عنها الأمين العام لحزب الحرية والعدالة في مصر جمال حشمت، والقائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان إبراهيم منير، كما دعا إليها صراحة الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين المتخلي الدكتور أحمد الريسوني، وأشار إليها نور الدين البحيري نائب رئيس حركة النهضة التونسية، ثم كان آخر المدافعين عن أطروحة انسحاب الإسلاميين من الصراع على السلطة الكاتب والمفكر الكويتي الدكتور عبد الله النفيسي، في الحلقة الأولى من البرنامج الجديد “موازين” على قناة الجزيرة.

تستعيد الفكرة جدلا قديما جديدا، وأطروحات قديمة جديدة مثيرة، تتجاوز السياسة إلى الفكر، وتدور حول موقع الدين من الدولة، وعلاقة الدين بالسياسة. وهو جدل يدور في مجمله حول مرتكزات الاجتماع السياسي، والعناصر الأساسية المشكلة للهوية الوطنية، ثقافة وسياسة. لكن ليس هذا الجدل ما يدور حوله مقالنا هذا، وإنما الخوض في مدى صلابة خيار تخلي الإسلاميين عن الصراع على السلطة، ومدى إسهامه في تحرير الاجتماع السياسي العربي مما ينظر إليه كعائق أساسي في وجه التغيير والتحول الديمقراطي. ويمكن في هذا الصدد إبداء الخلاصات التالية:

أولا: نجح تيار “الإسلام السياسي” في ريادة المشهد السياسي والحراك الاجتماعي:

نجح تيار الإسلام السياسي بشكلٍ أو بآخر في ريادة المشهد السياسي والحراك الاجتماعي والثقافي على مدى العقود الثلاثة الأخيرة، وتحول إلى التيار السياسي الأول في المنطقة، حتى إنه كلما خاض انتخابات تشريعية أو بلدية أو مهنية، اكتسحها أو تصدر نتائجها. لكن كلما عزز “الإسلام مواقعه” كقوة سياسية، أشّر ذلك على بوادر أزمة سياسية، وحالة من الانقسام والتوتر والشحن داخل البلد التي يفوز فيها. إذ كثيرا ما يعلن الجميع -النظام القديم، وقوى اليسار واليمين، والقوميون، وبعض النخب النافذة- رفضهم أن يقود الإسلاميون الحكومة، أو يديروا السلطة.

تتحول القوى السياسية “الديمقراطية” تماما مع إعلان نتائج الانتخابات، إذا أتت بالإسلاميين، منها محتفية بالتعددية والتداول السلمي على السلطة، إليها متحفظة ورافضة بل متحالفة مع تلك غير “الديمقراطية” من أجل هدف واحد: تقويض ومنع الإسلاميين من الحكم، الآن وهنا. والحقيقة أن هذا الموقف ينعطف على موقف دولي لا يزال يبدي رفضا، وفي أفضل الأحوال تحفظا على وجود الإسلاميين في الحكم. وضع جعل الكثير من البلدان في مأزق سياسي مستدام، تُشل فيه مؤسسات الحكم، وتتحول فيه البلاد إلى حالة اللاحكم (ungovernable).

الكثير من الدعاة لفكرة انسحاب الإسلاميين من الصراع على السلطة لم يثبت أنهم يدافعون من حيث المبدأ عن الإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي، وإنما تحركهم في هذه الدعوة نوازع إقصاء الخصوم الأيديولوجيين لا غير.

ثانيا: رهاب الإسلام السياسي

يعتقد البعض ويقتنع آخرون أن من أسباب الأزمة التي يواجهها الانتقال الديمقراطي ووجود أنظمة حكم تسلطية قمعية، هو الخوف الدائم والرهاب المرضي من “الإسلام السياسي”: أن يسيطر على الحكم، فيفرض نمطا مجتمعيا “رجعيا” -بحسب تقديرهم- ويهدد الحريات، كما أن الإسلام يدفع المجتمع الدولي للامتناع عن التعامل والتعاون ومساعدة الدول التي يصعد فيها الإسلاميون لسدة الحكم، ولو كان ذلك عبر صناديق الاقتراع. وبالتالي فإذا كان الإسلاميون يرفعون شعار “الإسلام هو الحل”، فإن خصومهم في الداخل والخارج يعتبرون أن “الإسلام السياسي” هو المشكل. واللافت أن هذه الخلاصات توسّعت الجهات التي تتبناها لتصل لقطاعات من الإسلاميين، نخبا فكرية وقيادات سياسية، وما موقف بعض القيادات الإسلامية التي أشرنا إليها في مستهل هذا المقال إلا دليل واضح على ذلك.

فبات البعض من الإسلاميين أنفسهم مقتنعا بأن “الإسلام السياسي” جزء من المشكل لا الحل، وبالتالي فإن التحول إلى جماعات دعوية عامة، تحت عنوان “تصريف المشروع” أو إعلان الانسحاب من المنافسة على السلطة، هو الحل للمساهمة في تفكيك أزمة الاجتماع السياسي العربي. تقييما لتجارب عديدة في المنطقة، يعود بعضها لثلاثة عقود، ممثلة في التجربة الجزائرية، ثم ما عاشته بلدان الربيع العربي من تجارب صعود الإسلاميين للحكم، على غرار مصر وليبيا وتونس والمغرب؛ خلصت العديد من النخب “الإسلامية” إلى أن “الإسلام السياسي” بات عائقا أمام التغيير والإصلاح، بل عائقا أمام أهداف أنصاره وقواه.

ثالثا: الدوافع وراء الدعوة لضرورة انسحاب الإسلاميين

ثمة خشية جدية أن فكرة انسحاب “الإسلام السياسي” صادرة عن دوافع غير صلبة، لا يمكنها أن تكون بناءة. فالكثير من الدعاة لهذه الفكرة، لم يثبت أنهم يدافعون -من حيث المبدأ- على الإصلاح السياسي والتغيير الديمقراطي، وإنما تحركهم في هذه الدعوة نوازع إقصاءٍ لخصوم أيديولوجيين لا غير. إلى جانب ذلك، قد يكون راجحا أن الإسلاميين الذين ينادون بهذه الفكرة يصدرون عن موقع الضحية المغلوب على أمرها، والتي تريد أن توقف حالة من الاستهداف والاستئصال تتعرض لها، ولا حلَّ لها إلا بطرح فكرة التخلي عن الصراع السياسي على الحكم. وقد تتحول هذه الفكرة في هذا السياق، دعوة للتخلي عن التغيير والإصلاح، تحت غطاء التخلي عن الصراع على السلطة.

رابعا: هل الانسحاب هو الحل؟

لا تصمد دعوة الإسلاميين للانسحاب من الصراع على السلطة والتنافس عليها، عند رصد التجارب التي تم فيها استبعاد الإسلاميين تماما من المشهد السياسي، أو غابوا اختيارا عنه. لا نجد أن هذه التجارب، ازدهرت فيها الديمقراطية، أو تحقق فيها إصلاح سياسي معتبر، أو خف فيها الانقسام السياسي، وإنما تكاد تكون أنظمتها السياسية في الحكم، أكثر استبدادا وأقل شفافية، وأكثر سلطوية. ومن ثمة، فإن فكرة الانسحاب من الصراع على السلطة، في إطار تفكيك أزمة سياسية بنيوية، أو تسهيل مسار الإصلاح السياسي، لا تبدو فكرة تصمد أمام تعقيدات المشهد السياسي في المنطقة العربية.

خامسا: التركيز على الإسلاميين

يبدو التركيز على الإسلاميين أو “الإسلام السياسي” وتصويره كعائق مشكل أمام الانتقال الديمقراطي في العالم العربي، وأمام استقرار وانسجام الاجتماع السياسي العربي، يتجاهل ويقفز عن تجربة سياسية تاريخية في المنطقة، لما كان فيها اليسار سائدا وهو القوة الرئيسية في المنطقة، كان يصوّر وينظر إليه تماما كما ينظر للإسلام السياسي اليوم، ويسري الأمر أيضا على التيار القومي. فكلما ساد وانتشر تيار سياسي في حقبة تاريخية ما، جرى تقديمه من قبل القوى الرافضة له والمتخوفة من استهداف مصالحها باعتباره خطرا على الاستقرار والأمن القومي ومهددا للوئام المجتمعي.

سادسا: مراجعات جادة

لا شك أن “الإسلام السياسي” والتيار الإسلامي عموما كرؤى فكرية، وكمشروع سياسي، وكتجربة سياسية مرّ على انبعاثها عقود من الزمن، تحتاج مراجعات جادة، وتمحيصا شجاعا، وتدقيقا علميا لرؤيتها وسلوكها. وهو استحقاق يجب أن يكون مفتوحا وهادئا وجريئا، يعيد النظر في كل شيء، ويطرح كل الأسئلة دون محاذير أو كوابح. ولعلها مسؤولية تاريخية كبيرة، أن يدرك الإسلاميون اليوم أن مشروعهم ينطوي ذاتيا على شبهة التباس وخلط بين الديني والحزبي، وهو التباس وجب تبديده تماما، والتوضّح بشأنه، بحيث لا تتورط القوى المجتمعية في الصراع على الإسلام الذي هو ضمير المجتمع كله، ومكون من مكونات الهوية الوطنية، وبالتالي ليس محل تنازع ولا صراع، لا سياسي ولا انتخابي.

إذ يفعل الإسلاميون ذلك، يحتاجون للإلمام بكل العناصر الواعية وغير الواعية المكونة لهويتهم السياسية. وإدراك العوامل الظاهرة والخفية الداخلية والخارجية والمعادلات والتوازنات التي تضبط الاجتماع السياسي العربي، الذي يخوضون في خضمه المعارك السياسية، دون إدراك لتعقيداته التاريخية والثقافية، ومحدداته الداخلية والخارجية.

خلاصة

لا شك أن المراجعات والتقييمات باتت حتمية ومصيرية وحاسمة، من الإسلاميين، ومن كل القوى السياسية والنخب الفكرية الفاعلة في المنطقة، من أجل استئناف مسيرة الإصلاح والتغيير. لكن لا شك أيضا أن كل هؤلاء الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، يجب ألا يتوهموا أن انسحابا هنا أو تسوية هناك قد تكون المفتاح السحري لإعادة بناء الاجتماع السياسي العربي، الذي لا تزال عناصر التأثير فيه تتجاوز الداخل إلى الخارج، والنظام الإقليمي إلى النظام الدولي الذي لا تزال توازناته مستقرة ومعادلاته صلبة، رغم ما يحدث فيها من تصدع.

 


الإعجاب و المشاركة:
fb-share-icon0
20
Twitter20
Visit Us
Follow Me
139