الاعلام و دوره في بناء أو هدم الامم

تكتبها بالنيابة :  روضة المداغي
إن من أهم الأسباب التي يجب أن تتوفر لاستقرار المجتمعات النامية أو التي في طريقها إلى النمو في عصرنا الحديث، والضامن لنهوضها ولحاقها بركب الحضارة والتطور، هو توفر مناخ سياسي سليم قائم على أحزاب قوية متماسكة ذات برامج ورؤى واضحة حيث تدار الإختلافات والخلافات فيما بينها في إطار الحوار وتخاض المعارك السياسية بشرف في ظل التنافس النزيه على السلطة وتغلب فيها المصلحة العليا للبلاد على كل المصالح الضيقة.
هذا الجو سيخلق حتما أرضية ملائمة من السلم الأهلية والأريحية التي ستنعكس إيجابا على الجو العام في البلاد. وهنا يدخل الإعلام على الخط وهو لعمري المحرك الحقيقي للمشهد وهو من يشكل المزاج العام للمواطن لما له من تأثير بالغ عليه وهو الذي يأثر في الانطباع الشامل لديه حول أوضاع البلاد على مختلف الأصعدة. فالإعلام، كما هو معلوم، سلاح العصر وهو الذي يدير الخلافات ويسلط الأضواء الكاشفة على مختلف القضايا والمشاكل التي تلامس هموم المواطن اليومية وتبين تقصير المسؤول تجاهها في إطار الحياد والمصداقية والموضوعية مع الإنحياز التام للوطن لا للأشخاص وذلك في سبيل البحث عن حلول لها وتقريب وجهات نظر مختلف الأطراف وبسطها للمشاهد. ومن أهم ما يمكن أن يقدمه إعلام هادف وطني بحق هو ذلك الخطاب المحفز والشاحذ للهمم والمشجع على العمل والبذل والعطاء دون تطبيل للمسؤولين وتهليل للحكام أو تقزيم للإنجازات والتعتيم عليها. ولكن وبحسرة كبيرة، ومنذ أن انتصر شباب الثورة على المخلوع وأرغموه على الفرار ؛ لم تفتأ الماكينة الإعلامية النوفمبرية، التي لم تشملها الثورة، من باب عفا الله عما سلف ؛ تبث خطابا تحريضيا هداما.
ولقد خيل إلينا لوهلة أن تلك الأصوات قد تحررت من القيود التي كبلتها بها الدكتاتورية فحرمتها من التعبير الحر، وأن الذين يتصدرون المشهد الإعلامي اليوم ومنذ عهد المخلوع، سيعربون عن امتنانهم لثورة الحرية والكرامة التي كان لها الفضل في تحررهم من ربق العبودية والخوف والرعب الذي كان يخيم عليهم وعلى المجتمع التونسي بكل فئاته ومؤسساته، وذلك ديدن الأنظمة الديكتاتورية التي تخضع الدولة والشعوب لمصلحة الأفراد والحزب الواحد. ولقد ظننا لحسن نية جبلنا عليها، أنهم سينحازون إلى الثورة بعد فرار المخلوع وأنهم سيحاولون التكفير عن أفعالهم التي ترتقي في أحيان كثيرة إلى الجريمة، ولكن ما راعنا إلا ذلك الكم الهائل من الحقد الأسود على الثورة ومخرجاتها وذلك الخطاب التحريضي المشحون بالأكاذيب والافتراءات والتشويه المستمر إلى يوم الناس هذا وبعد ثمانية سنوات من عمر ثورة الحرية والكرامة!!! فبلاء تونس قبل الثورة وبعدها هو الإعلام. كيف لا وقد بيض جرائم المخلوع وحول الفشل والنهب والسطو على ممتلكات الناس إلى إنجازات وغيب حقيقة النظام الفاشي المستبد الظالم وحوله إلى عهد أمن وأمان ورخاء وارتفعت حناجر الفنانين بالاغاني المعددة لانجازات السابع من نوفمبر بينما كان المعارضون يقبعون في سراديب الداخلية ويتعرضون إلى أبشع الممارسات الإجرامية حتى بلغ الطغيان حد دفن رفاة أحد السجناء الإسلاميين في خرسانة أحد الجسور ولا يُعلم مكانه إلى هذه الساعة!!! هذا إضافة إلى اضطرار كثير من المعارضين الى الهجرة السرية خوفا على حياتهم من بطش النظام وسطوته وإطلاق يد البوليس لهرسلة كل من يدور في فلك قرابة سجين أو مطلوب لدى النظام! هذا علاوة على سطوة الطرابلسية على الناس وترهيبهم والاستيلاء على ممتلكاتهم ظلما وعدوانا. هذا غيض من فيض ولمحة موجزة جدا عن دور الإعلام النوفمبري، الذي أغدق عليه المخلوع الكثير لكي يبيض صورته في الداخل والخارج، قبل الثورة. أما بعد الثورة، فلقد تجندت نفس تلك الأقلام المأجورة، التي مجدت الطغيان والإستبداد، لشيطنة المناضلين والتقليل من شأنهم ورميهم بشتى الأكاذيب والإفتراءات وسلقهم بألسنة حداد أشحة على الخير وبث جو من الإحتقان الخانق مع خطاب تحريضي أسود ولم يتوانوا في تمجيد أزلام النظام وتقديمهم في صورة المنقذ من “دمار” الذين جاءت بهم الثورة وقاموا بدور رائد في إعادة التجمع المرسكل إلى الحكم من جديد!!! لا تستهينوا بالإعلام فهو من يحرك المشهد العام في البلاد خصوصا تلك القنوات المشبوهة كالحوار التونسي والتاسعة وتونسنا ونسمة.
ولن تنهض تونس ولن يستقيم لها حال إلا إذا انتفى خطاب الكراهية والفتنة الذي تبثه هذه القنوات من خلال إستضافة وجوه تعيسة ونفوس حاقدة تشيع جوا من التوتر والاحتقان في مناخنا السياسي وتثبط العزائم وتنشر اليأس والقنوط وتشيطن الثورة ومخرجاتها. ولقد أثبتت تجارب الدول التي نهضت وارتقت في سلم التقدم والحضارة وحققت قفزة اقتصادية هامة، وماهي علينا ببعيدة، أنها اعتنت بقطاع التربية والتعليم فخصصت له نسبة عالية من ميزانية الدولة لما للتربية والتعليم من دور أساسي ومحوري في بناء الإنسان. كما قطعت تماما مع خطاب الكراهية واستبدلته بخطاب تحفيزي يحث على العمل والعلم والتعايش السلمي بين مختلف مكونات المجتمع. وما دمنا في تونس لم نتوفق الى الآن إلى إيجاد مساحات للتعايش السلمي بين مختلف الفرقاء والترفع عن أساليب الشيطنة ونشر الأكاذيب والإشاعات والإستثمار في مصائب البلاد، فلن ننجح في العبور بتونس إلى بر الأمان.
فلو غلّبت مصلحة تونس على كل مصلحة ضيقة، ونزع الجميع جبة الأيديولوجيا وبحثوا عن المشتركات بينهم، لكان وضع تونس اقتصاديا واجتماعيا أفضل بكثير. ولكن للأسف الواقع يسفه آمالنا في طبقة سياسية وطنية بكل للكلمة من معنى عميق ودلائل تؤكدها الأفعال لا مجرد أقوال فضفاضة وشعبوية فارغة وشعارات بلا مؤيدات عملية. فهذا القصف الممنهج الذي يمارسه هذا الإعلام الهدام، على ما تبقى من قيمنا الإجتماعية ومبادئنا الإسلامية، بواسطة برامج مائعة لا تضيف للمشاهد شيئا ولا تغن ولا تسمن من جوع، هو عبارة عن معاول هدم يُعملها أعداء الدين والوطن في جدرانه المتشققة لهدم ما تبقى من حيطانه ولإسقاط سقفه على رؤوس جميع التونسيين.
لا يدرك أولئك العبثيون العابثون، أن السقف إن سقط فسيقع على رؤوسهم أيضا ولن يكونوا أبدا بمنأى عن الأذى الذي سيلحق بالجميع لا قدر الله!!! فهل يدركون حجم جرائمهم في حق هذا الوطن الذي يتغنون بحبه صباحا مساءً وبعد الصباح وقبل المساء ويوم الأحد ؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *