التطبيع مع الفساد بما هو أساس “استمرارية الدولة”

بقلم : عادل بن عبد الله 

بعد 14 كانون الثاني/ يناير 2011، وجد التونسيون أنفسهم أمام نوع من التناقض السياسي؛ الذي ستكون له تأثيرات كبرى على مسار “الثورة” ذاته.. لقد كان عليهم أن يتحركوا في سردية “ثورة”، ولكن في ظل نظام لم يفقد إلا رأسه وجزءا لا يكاد يبين من مكوّناته الجهوية والزبونية. ولم يكن من الممكن الخروج من هذا التناقض – على الأقل في مستوى الخطابات النخبوية المنحازة للثورة – إلا بالقبول بالخيار “التوافقي” الذي أذعن له الفاعلون الأساسيون كلهم، ألا وهو خيار “مأسسة” استحقاقات الثورة في ظل منطق”استمرارية الدولة”. إنه خيار استراتيجي حاسم ولكننا لا نستطيع الحكم عليه عقلانيا – مهما كانت درجة الإحباط من مآلاته الحالية – إلا باعتباره “لحظة” في سيرورة، وليس باعتباره نهاية لتلك السيرورة أو سبت تاريخها.

 

كان خيار “استمرارية الدولة” سيفا ذا حدّين: فهو من ناحية أولى يلبّي الحاجيات النفسية، ولكنّ “استمراية الدولة” تعني من ناحية ثانية “شرعنة” منطق الحكم السابق

 

كان خيار “استمرارية الدولة” سيفا ذا حدّين: فهو من ناحية أولى يلبّي الحاجيات النفسية، ويقلص من مخاوف المواطنين الذين لم يكونوا في أغلبهم الأعم مندرجين في الثورة بصورة قصدية واعية. وهؤلاء هم من سيسمّيهم ورثة المنظومة الحاكمة قبل الثورة وحلفاؤهم الجدد بـ”الأغلبية الصامتة”. فالأغلبية الصامتة في عمقها ليست “فقط” تلك الكتلة البشرية “اللامتجانسة” أيديولوجيا وجهويا، والتي لم تتدخل في الشأن السياسي بعد الثورة لأسباب مختلفة، بل هي أساسا تلك الكتلة التي كانت “مطبّعة” بصورة أو بأخرى مع نظام المخلوع، وفقا لمنطق براغماتي ميتا- إيديولوجي، وهو ما سيجعل منها الخزان الانتخابي الأساسي لنداء تونس وباقي “العائلة الديمقراطية”.

ولكنّ “استمراية الدولة” كانت تعني من ناحية ثانية “شرعنة” منطق الحكم السابق، و”التطبيع” مع خياراته وشبكاته وجهاته وجعلها “شريكا”، بل فاعلا رئيسا في إدارة “المرحلة الانتقالية” ، أي كانت تعني في التحليل الأخير رهن مسار “الثورة”، بصورة كبيرة، بين أيدي من قامت عليهم؛ وعلى امتيازاتهم وسردياتهم وأساطيرهم التأسيسية. ولم تكن رئاسة عياض ابن عاشور للهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، كما لم يكن إخراج الباجي قائد السبسي من غيايب النسيان و”تنصيبه” رئسيا للحكومة، إلا بداية لمسار طويل من الارتكاسات التي يمكننا تسميتها – ميلا إلى التسمية الغالبة رغم محدوديتها التفسيرية وطابعها الاختزالي – بـ”الثورة المضادة”.

بعيدا عن الارتباطات “التقليدية” للنخبة الحاكمة قبل الثورة بدوائر القرار الصهيونية والفرنكفونية، وبعيدا عن المنحدر الجهوي المعلوم لورثتهم؛ من رموز الثورة المضادة والمشرفين على غرفها المظلمة.

لنحاول أن ننطلق من حادثة رمزية وقعت زمن رئاسة الباجي قائد السبي للحكومة الانتقالية التي أعقبت إسقاط حكومة محمد الغنوشي الثانية، مع استحضار أنّ الغنوشي هذا كان الوزير الأول للمخلوع إلى يوم هروبه من تونس، وأنّ الباجي نفسه كان رئيسا لمجلس نواب المخلوع قبل الاستغناء عن خدماته: تعيين خميس الجهيناوي وزيرا لخارجية تونس، وهو من كان يشغل مدير مكتب العلاقات التونسية في الكيان الصهيوني. ولعل رد الباجي على “احتجاجات” بعض أعضاء الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة؛ يزيد من رمزية هذا الحدث ويرسم الملامح الكبرى لمسار الانتقال الديمقراطي، بعد أن أصبح “التجمعيون” جزءا من “العائلة الديمقراطية” برعاية الاتحاد العام التونسي للشغل واليسار الثقافي: “نحكم وحدي. ما يحكم معايا حد (أي أحكم بمفردي ولا يحكم أحد معي)”.

من أين جاء الباجي قائد السبسي بالنبرة الاستعلائية؟ ومن أين استمد قوّته وثقته في انعدام الخيارات عند مخاطبيه، وبحيث تحدّث أمامهم – وهم مصدر السلطات في الفترة الانتقالية – بتلك الطريقة؟ ولماذا سكت أعضاء الهيئة عن ذلك الخيار (تعيين الجهيناوي) وعن ذلك الخطاب الاستبدادي، وكأنّ على رؤوسهم الطير؟ ببساطة، كنا في تلك اللحظة أمام التجلي الأمثل لخيار استمرارية الدولة وتبعاته الكارثية في الداخل والخارج: عودة منطق الزعامة والصوت الأوحد في مستوى إدارة الشأن الداخلي، والتطبيع مع الصهيونية؛ استرضاء للجهات المانحة التي تخضع بدورها لحافاء الكيان الصهيوني، باعتبار أن ذلك التطبيع هو شرط ضروري، ولكنه غير كاف، لاكتساب الشرعية الدولية بشروط النظام العالمي الجديد.

في المنطق يقال إن من يستطيع الأكثر يستطيع الأقل. ونحن نستطيع – قياسا على هذه القاعدة – أن نقول إنّ من يفرض الأكثر (التطبيع مع المنطق الاستبدادي منهجا للحكم والتطبيع مع الصهيونية سندا للشرعية الدولية) يستطيع أن يفرض الأقل من مظاهر الفساد. إنّ استمرارية الفساد المترتب عن منطق استمرارية الدولة هو خيار “الجميع”، وليس فقط خيار ما يُسمّى بالثورة المضادة. فهو ظاهرة “نظامية” تخترق كل الفاعلين في النظام، بحكامهم ومعارضتهم، وليس مجرد ممارسات سلطوية يمكن ربطها بورثة النظام من التجمعيين الجدد دون سواهم.

 

التطبيع” مع الفساد هو خيار دولة وليس خيار أفراد

ويمكننا أن نقول إن “التطبيع” مع الفساد هو خيار دولة وليس خيار أفراد. ولذلك، قد يكون من باب المزايدات أن “نستغرب” من التجليات القطاعية المتفاقة لهذا الخيار الاستراتيجي الذي ساهمت كل النخب الرسمية والبديلة في تكريسه، بدرجات وبمسؤوليات متفاوتة.

ولذلك، فإنّ التطبيع مع الفساد الثقافي (هيمنة اللوبي الفرانكفوني المعادي للهوية على التمويل العمومي ودوره الطليعي في الاستلحاق الثقافي)، والتطبيع مع الفساد السياسي (رفض قانون العزل السياسي، وعودة رموز النظام البائد إلى واجهة السلطة التنفيذية بعد أن هيمنوا على السلطة التشريعية)، والتطبيع مع الفساد الإيديولوجي ( هيمنة الصراعات الثقافية الهووية وتهميش المسائل الاقتصادية)، والتطبيع مع الفساد الاقتصادي (قانون المصالحة الإدراية المشبوه، وإدارة ملف الفساد بمنطق مصالح اللوبيات ومراكز النفوذ لا بمنطق مصلحة الدولة العليا)، والتطبيع مع الفساد الإعلامي (هيمنة المرتزقة والمال المشبوه والتحيزات الإيديولوجية على الشأن الإعلامي)، والتطبيع مع الفساد القيمي (ضرب الأسرة والمدرسة والقدوة)، والتطبيع مع الفساد الأمني (هيمنة النقابات الأمنية، بما هي ذراع النظام البوليسي)، والتطبيع مع المال السياسي الفاسد، سواء أكان من الداخل أم من الخارج (الحديث عن 1500 مليار دينار تونسي دخلت البلاد خلال الحملة الانتخابية، فضلا عن شبهات التمويل للأحزاب وانعدام الشفافية)، والتطبيع مع الفساد الدستوري (إضعاف الهيئات الدستورية أو منع انبثاقها أصلا، مع تحوّل النظام إلى نظام رئاسي واقعيا، واختزال دور القصبة وباردو في وظيفة المكلف بمأمورية عند رئيس الجمهورية).. كل تلك الأشكال من التطبيع هي نتيجة ضرورية لخيار “التطبيع” مع أساسَي الفساد “النظامي” Systématique: الاستبداد في العلاقة بالداخل، وانعدام مقوّمات السيادة في العلاقة بالخارج.

بعد ما تقدّم من حفريات أولية بحثا عن جذر الانسداد التاريخي الذي تعانيه البلاد الآن، هل يبقى من معنى للمزايدات الخطابية المهيمنة على علاقتنا بالمظاهر”المشتقة”، لا الأصلية، للتطبيع مع الفساد؟ وإن شئنا أن نعيد صياغة السؤال بطريقة أكثر إحراجا لكل الفاعلين الجماعيين سلطة ومعارضة ومجتمعا مدنيا، فإننا نقول: “ألا تعكس مزايداتنا وصراعاتنا حول أنماط الفساد “المشتقة”؛ رغبة جماعية في التهرب من مواجهة السؤال الحقيقي، بل عجزا عن الإجابة عن سؤال “الثورة” الأهم: ماذا فعلنا حقا لتجاوز “منظومة الفساد” وما يؤسسها من فَسادين “أصليين” (الاستبداد والتبعية)؟ وما هو دورنا – المقصود أو غير المقصود – في هيمنتها على مختلف الفاعلين الجماعيين حتى بعد الثورة؟ إنه سؤال يمكن أن يطرحه فرد، ولكنّ الإجابة عنه لن تكون إلا جماعية.. ولو بعد حين.

عن ( عربي 21 )

محرز العماري

محرز العماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *