التعليم العالي والبحث العلمي في تونس: الإصلاح والتحولات الاجتماعية

 بقلم : الدكتور لطفي السنوسي

عضو اتحاد الكتاب التونسيين
عضو مركز تونس للدراسات الاستراتيجية

يشهد قطاع التعليم العالي في تونس سلسلة من الأزمات المتلاحقة بفعل سوء التخطيط، وغياب الرؤية وضبابية التوجه الإستراتيجي ناهيكم عن الجفاء بين الفاعلين الأساسيين فيه من السياسيين والنقابيين والخبراء والمهتمين بالشأن التعليمي والبحثي ، كل هذا يحدث أمام توقعات بأن قطاع التعليم العالي والبحث العلمي في تونس سيكون من أبرز المجلات المنتظر معالجتها وإصلاحها ضمن أولويات الثورة واستحقاقاتها وفي ظل إدّعاءات يتم ترويجها من قبل الوزارة وبدعم من الأحزاب الحاكمة عن مشروع الإصلاح التوافقي والتشاوري والذي أصبح لدى الجامعي  بمثابة اللغز الغامض أو السرّ المخابراتي، وكذلك في ظل مقاطعة رسمية من قبل النقابات على غرار اتحاد الأساتذة الجامعيين التونسيين “إجابة” ومن قبل الجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل. من هنا، ومن حيث يُقر كل منشغل بالشأن الجامعي وله مشاركة فعالة فيه بفشل السياسات التعليمية المتعاقبة وخصوصا بعد الثورة حيث تداول على تسيير الوزارة أكثر من خمس وزراء وكتاب دولة،غابت خلالها الإرادة الفعلية لتشريح هذه المنظومة المريضة ببلادنا ولهندسة الإستراتيجيات وصياغة الخلاصات والتوصيات اللازمة وحضرت التجاذبات السياسية ومعارك الكراسي.

إن من بين أوجه القصور التثبيطية في الجامعة التونسية هو سقوطها في دوامة الارتجال والتردي كنتيجة لسنوات من تخبط السياسات في المراهنة على نماذج اصلاحية جرى إسقاطها على البيئة التونسية وتواصل سيطرة روح الوصاية المتمثلة في الاشراف المنفرد والتي نجني اليوم حصيلتها من ارتفاع نسب الفشل الدراسي والتخلف الجامعي، وهي من العوامل الأساسية التي تفسر واقع تقهقر منظومتنا الجامعية والبحثية والتي أصبحت تحتل مراتب متأخرة في أغلب المؤشرات العالمية في مقابل تقدّم بعض الدول الأخرى كالسعودية مثلا والتي احتضنت الآلاف من الجامعيين التونسيين المهاجرين حيث أن هذه العقول أصبحت تكرس كل طاقاتها في الانتاج البيداغوجي والبحثي لصالح وباسم الدولة التي يعملون فيها.

لقد كان للجامعة التونسية دورا هاما مع بداية دولة الاستقلال و إلى اليوم في توفير الكوادر والإطارات والخبرات لتسيير الدولة، وقامت الجامعة بهذا الدور على أحسن وجه في مقابل نظرة الدولة للجامعي باعتباره أعلى إطار على المستوى الوظيفي والتأجيري حيث أن أستاذ التعليم العالي خلال حكم بورقيبة كان يتلقى أجرا أعلى من وزرائه وبأمر منه. وعلى اثر تولي الجنرال بن علي وعلى خلفية العولمة والتحولات التي يعرفها العالم، برزت مفاهيم جديدة على غرار اقتصاد الذكاء، حيث أصبح للجامعة العمومية دورا جديدا لم تكن تونس مستعدة لاستيعابه وهو ما أدى إلى هجرة الادمغة بسبب ما تواجهه هذه الموارد البشرية من غياب للمناخ المناسب للبحث العلمي وللابتكار التكنولوجي، واتساع الهوّ بين المنزلة العلمية والمنزلة الاجتماعية للجامعي وهو ما زاد في انحدار وضعه المادي فأصبح دوره لا يختلف عن الموظف العادي المدفوع إلى الاعتناء بالمشاكل الاجتماعية و المنشغل بالحصول على وظيفة إدارية أو سياسية لمن استطاع لذلك طريقا، ومن لم يستطع فعليه بالدخول في دوامة تجميع أكبر عدد من مشاريع نهاية الدراسة والساعات الإضافية داخل وخارج المؤسسة التي ينتمي إليها، حتى غاب الدور الأساسي للجامعي وهو التفكير والبحث و تحولت الجامعة ومراكز البحث في تونس إلى ما يشبه “مصانع للمعرفة، غير أنها لا تنتج  إلا بطالة اقتصادية.

إن ما يتقاضاه الأستاذ الجامعي في تونس يجعله مضطرا لدفع نفقات تنقلاته للجامعات في المناطق الجنوبية من جيبه إضافة إلى غياب جميع فرص التطور المهني داخل الجامعات على غرار باقي القطاعات ولا حوافز مادية ومعنوية داعمة لأبحاثه فيضطر للبحث عن مؤسسات داعمة في الخارج بعدما تكبلت الجامعة بمظاهر العمل البيروقراطي/ الإداري، كل هذه المشاكل أسهمت في تقلص الحماس لدى غالبية الجامعيين نحو البحث العلمي وأصبحوا يعتقدون أنه من الأمور البديهية أن لا يقوم الأستاذ الجامعي بالبحث العلمي وهو ما أدّي إلى تقلص عدد الأساتذة من الصنف “أ” من أساتذة التعليم العالي والمحاضرين والذين لا يتجاوز عددهم 2500 أستاذ من بين 20 ألف استاذ جامعي تقريبا مما أدّي إلى حالة تصحّر وأزمة خانقة في تأطير طلبة الماجستير والدكتوراه وكذلك الأشراف على مراكز البحث وإدارة المشاريع البحثية ،  وهو ما يعتبره النشطاء في المجال النقابي أزمة حقيقية في القطاع لما له من انعكاسات سلبية على مردودية النتائج وجودة الكفاءات.

يبدو أن أزمة التمثيل النقابي في قطاع التعليم العالي، والتي اندلعت منذ سنة 2004 وتواصلت حتى ما بعد الثورة وإقرار دستورية التعددية النقابية لعبت ولا تزال دورا هاما في مزيد تعميق تعقيدات الوضع في الجامعة التونسية والخاسر الوحيد هو الأجيال القادمة، والعارف بتاريخ الحراك النقابي في التعليم العالي يدرك بأنه ارتبط  بتوازنات وتفاعلات الحركة السياسية داخل الأوساط الجامعية بما جعلها تحت هيمنة تيارات كان لها حضورها في سنوات السبعينات وبداية الثمانينات، والآن وبعد أن تعاقب على الجامعة آلاف الطلبة عرفت الجامعة تدفق أجيال جديدة من الأساتذة والباحثين ممن تشبعوا بروح الثورة والممانعة والمقاومة بعيدا عن كل الحسابات السياسية والأديولوجية التي حكمت الجامعيين لسنوات طويلة، كل هذا يجعل الواقع الجديد يفرض خلق آليات وهياكل جديدة ممثلة لجميع الأسلاك وبدون استثناء، من هنا تبدو واضحة وجلية رسالة جيل الممانعة من الجامعيين في بث روح جديدة متلائمة مع روح الثورة وتخليص الجامعة التونسية من هيمنة التوازنات واللوبيات الخاضعة لإجندات لم يكن يوما الجامعي معنيا بها.

 

 

محرز العماري

محرز العماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *