الشباب بين”ارهاب” الدولة و الجماعات المتطرفة

بقلم : أمال اللويزي

أين يكمن الإرهاب الحقيقي؟ سؤال لا بد من طرحه نظرا إلى أن صفة الإرهابي تطلق على كل فرد يحاول فرض فكرته أو الدفاع عن قضيته باستعمال القوة. ولكن إذا كانت القوة، أو السلاح، هو ما تعتمده الدولة لفرض سيطرتها وإبراز عضلاتها، فهل تعتبر الدولة إرهابا؟ وهل يعتبر جميع الأفراد الذين يكونون هياكلها إرهابيين؟

ما سنقوم به في هذا المقال هو إجراء مقارنة بسيطة بين الجماعات الدينية المتطرفة وأجهزة الدولة. بعد فرض العولمة سيطرتها على العالم (ولن نتحدث هنا عن آثار العولمة، إيجابية كانت أو سلبية) أصبحت هناك قيم كونية يجتمع عليها كافة الناس وقوانين عالمية تخضع لها مؤسسة الدولة في أغلب البلدان. ومن أهم المراكز التي تقوم عليها الدولة الحديثة هي ما يطلق عليه مسمى “الديمقراطية”، أو حكم الأغلبية، ما يعني حتما حكم الشعب، لأنه يعتبر أغلبية في جميع الدول. غير أن الديمقراطية لم تعد تعدو كونها مصطلحا زائفا يكثر استخدامه في الدول التي لا تعتمد حكم الشعب ولا تهتم لصوته، بل أصبحت متمثلة في حق الشعب للانتخاب فقط. وهنا تبدأ المقارنة البسيطة بين ما يسمى بدول العالم والتنظيمات الإرهابية: ففي الأولى يتم اختيار رئيس يملك خبرة في المجال السياسي، والخبرة هنا يتم قياسها بالعمر لا بالشهادات العلمية أو الإنجازات، والأمر نفسه بالنسبة إلى الطرف الثاني، حيث تتم مبايعة أمير بحسب طول لحيته وبياضها. في الدول الإسلامية يكفي اختيار “أمير للمؤمنين” حتى يكتفي برأيه في الحكم وينسى فضل “المؤمنين” الذين ما إن أوصلوه إلى الحكم حتى أصبحوا مجرد سلاح للقتال، نفس الشيء تقريبا بالنسبة إلى الدولة الحديثة، حيث ما إن يجلس الرئيس أو الوزير أو الوالي أو نائب الشعب أو رئيس البلدية أو المعتمد على الكرسي حتى ينسى فضل “المواطنين” عليه ويبدأ في التفكير في مصالحه الشخصية سواء المادية أو الإديولوجية.

مازالت المقارنة متواصلة، ولكن لنأخذ الآن مثالا تقريبيا، الدولة التونسية مثلا في مقارنة مع الدولة الإسلامية. لا شك الآن في أن الدولة الإسلامية لا تمثل الإسلام في شيء، بل تسعى بمساعدة عدة دول غربية إلى زعزعة استقرار المسلمين وتقتيلهم تاركة الكيان الصهيوني لتطبيق نظامه الإمبريالي في أمان. فلننظر إذا إلى الفصل الأول من الدستور التونسي: “تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها” (1) مع ملاحظة: “لا يجوز تعديل هذا الفصل”. إذا قرأنا “مستقلة” رأينا أن الثروات المتمثل أبرزها في الفسفاط والنفط والملح تقع على أراض فرنسية في الدولة التونسية أو تحت معاهدات تخول لهم التحكم فيها أو على الأراضي التونسية التي باعها بورقيبة للجزائر سنة 1970 مقابل 2 مليون دينار جزائري (2). ثم إذا قرأنا “ذات سيادة” رأينا أن الأمر يرجع أولا وآخرا إلى فرنسا، ولنضرب مثلا المراجع الدراسية المتماثلة واللغة الثانية في البلاد التونسية التي لا تزال فرنسية رغم أن العولمة أدت إلى جعل الإنجليزية اللغة الأولى في العالم ولغة العلم والأدب. ناهيك عن “العربية لغتها” ولا تستخدم لا في الحديث العامي ولا التدريس ولا حتى البرامج التلفزية المقلدة. أما قوله “الإسلام دينها” فلا يمثل الإسلام الآن في تونس غير عادة قديمة متوارثة وجب التخلص منها بعدة طرق، أهمها الإعلام، ثم جهاز الأمن الذي يتهم من يصلي الفجر في جماعة بالإرهاب، وكذلك القوانين المخالفة للعقيدة من قبيل المساواة في الميراث بين الذكر والأنثى…

لنتعمق الآن قليلا في هياكل الدولة، ولنبدأ بالمجلس التأسيسي. مثلما تم تولية “شاكر وهيب الدليمي” المكنى “أبو وهيب” على قيادة قوات تنظيم الدولة الإسلامية في الأنبار رغم أنه طالب في مجال “علوم الكمبيوتر” في جامعة الأنبار (3) بلا خبرة عسكرية أو شهادة إسلامية، تم كذلك في الدولة التونسية تولية “إبراهيم القصاص” كنائب للشعب في المجلس التأسيسي رغم أنه لا يملك علما في السياسة ولا القانون ولم يتحصل حتى على شهادة ختم التعليم الثانوي. والقادم أغرب، ففي دولة تقوم على نظام مبهم مثل الدولة الإسلامية، يتم اعتماد القيادات على أساس القرابة والمحسوبية، فمثلا تم اعتماد “عبد الله الحسيني” كقيادي في قوات الدولة الإسلامية لصلة القرابة التي تربطه بـ”أبي بكر البغدادي” زعيم الحركة، مثلما تم اعتماد “ماجدولين الشارني” وزيرة للرياضة فقط لأن أخاها اعتبر أحد شهداء الوطن، رغم أن علاقتها بالرياضة تشبه علاقة أي مهندسة معمارية بالرياضة.

فلنتعمق الآن قليلا في هذا المجال (الذي دعاني إلى كتابة هذا المقال المتواضع). لا شك أن للرياضة، وخاصة كرة القدم، علاقة كبيرة بالسياسة في العالم أجمع، فقد أصبحت الأخيرة مجالا قائما اقتصاديا واجتماعيا وخاصة سياسيا، ولنعط مثلا “حمدي المؤدب” الذي نال حب الجماهير الرياضية رغم أن الجميع على علم بعلاقاته بالنظام السابق الذي قام على السرقة والنهب في ثروات الشعب. أو “سليم الرياحي” الذي دخل الرياضة عن طريق السياسة أو دخل السياسة عن طريق الرياضة، في كلتا الحالتين فقد تحصل على جمهور يصوت له في الانتخابات الرئاسية، لا لشيء، بل لأنه رئيس جمعية كرة القدم المفضلة لديهم. ولكن هذا لا يعنينا في شيء، لذا فالنتحدث قليلا عن الحادثة التي أدت إلى وفات شاب في التاسعة عشر من عمره يدعى “عمر العبيدي” من قبل قوات الأمن (سواء خطأ أو عمدا) إثر خروجه مطاردا من مباراة كرة قدم. وهذا إن دل فإنما يدل على أن الدولة تستعمل منطق القوة للتحكم في الشعب، وهذا هو المعني الحقيقي لكلمة إرهاب دولي، وهو “أعمال ووسائل وممارسات غير مبررة، تمارسها منظمات أو دول، تستثير رعب الجمهور أو مجموعة من الناس لأسباب سياسية بصرف النظر عن بواعثه المختلفة” (4). فما الذي حمل رجال الأمن على سحب عصيهم (مع العلم أن تلك العصي لم تعد تستعمل في أغلب الدول) على شباب كل همهم هو تشجيع فريقهم المفضل (مع العلم أن الملاعب في العالم لم تعد تعتمد رجال أمن أو وحدات تدخل للحراسة)؟ وما الذي دفعم إلى مطاردة مجموعة من الشباب لمسافة تفوق 2كلم قصد ترهيبهم، رغم أن واجبهم كان يحتم عليهم عدم مغادرة المنشأة أثناء المباراة؟

إذن لا مفر الآن من طرح السؤال، ما هو السبب في اتجاه الشباب نحو تنظيمات الإرهاب الديني؟ ولا ريب أن الإجابة الوحيدة هي، إرهاب الدولة. في ظل هذه السيطرة المطلقة على المواطن قصد قمعه، وخاصة الشباب، فما الذي سيمنع الأخير من النقمة على أركان الدولة أو من كره تراب بلاده؟ والأهم من هذا، في ظل هذا الفراغ الذي يعاني منه الشباب، حيث لا توجد أساليب للترفيه أو حتى للعمل في خضم تفشي ظاهرة البطالة أمام أعين الدولة، أي طريق سيجد الشاب أمامه سوى الإضمام إلى صفوف الجهاديين أو الهجرة إلى الشمال؟

ملاحظة : المقال لا يعبر عن رأي “اليوم أنفو”

محرز العماري

محرز العماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *