العولمة و الإسلام السياسي

بقلم : منار محمد السكندراني
الفاجعة التي وقعت منذ أيام في دولةِ ما وراء البحار “نيوزيلندا”، ذلك البلد الجميل والآمن الذي لا يوجد فيه حيوان واحد يحمل سمّا ويعتبر أكبر بلد لتربية الخرفان لقلة الذئاب فيه، والذي لا ترى فيه سوى تجليات الحياة الهادئة والآمنة…
بلد تجد نفسك فيه تبتعض في سوقه مع رئيسة وزرائه وأولادها تترقب الدفع خلفك أو تجد نفسك تركب مع وزير الداخلية في طائرة، أنت في الدرجة الأولى وهو في الدرجة السياحية، لأنهم يقدمون الدولة على أنفسهم علاوةً على إنك تراهم دون حرّاس ولا مواطنين حولهم يسألونهم عملا أو وساطة أو حتى إمضاء… عملية إرهابية – يصعب على كل من رأى الفيديو نسيانها- صوّر وقائعَها فاعلٌ استرالي بكل دم بارد، اختار هذا البلد دون غيره فهاجر إليه منذ سنتين، إنه صور لنا، في الحقيقة، “الفكر الإقصائي” المتعارف عليه اليوم بــــــــــ “الفكر الداعشي” قوامه “الأنا الأعلى” التي تقدس وجودها فتقصي “الآخر”. عملية يُستنتج منها أن المقولة المعروفة “إما أنا أو أنت” قد وقع تجاوزها، لترسيخ إما “أنا أو أنا”.
اختار منفذ العملية كساحة لمعركته مسجدين، أين فتح النار على مسلمين قبل صلاة الجمعة، ليُحدث مجزرة ذهب ضحيتُها حوالي 50 مسلما من بينهم أطفال ونساء وأصيب فيها أكثر من 20 آخرين. منفذ العملية متعصب ونصراني العقيدة، يرى نفسه امتدادا للحروب الصليبية ومطهّرَ الأرض من المسلمين.
وعلى ضوء ما حدث يتبادر السؤال التالي للذهن: هل هذه حالة “معزولة” كغيرها التي نفذها غيره من غير المسلمين، أم هي عمل يقوم على فكر استئصالي عقائدي؟ وإذا كانت الفرضية الأولى صحيحةً، فهل يمكن وصف مجزرة مثيلة بـــ “المعزولة” إن كان المنتسب لفعلها من المسلمين؟ فيمكن إذا أن يطلق عليه لقب “مجنون” فتنفى عنه اي علاقة له لا بالقرآن الكريم ولا بالسنة النبوية الطاهرة؟ ثم نبحث له عن أعذار إنسانية نفسية، من مثل أنه طبيب ناجح أو أب وزوج مثالي، وأنه أصيب باضطراب نفسي عارض ثم يُقدم في الإعلام في صور بهية… أم أن العمليات التي يكون الطرف الفاعل فيها مسلما “عمليةٌ إرهابيةٌ” بالضرورةً، إذ أنه فكر استئصالي يستقرأ من الأحاديث النبوية والقرآن الكريم وبالتالي فـــ “الله” و “محمد” هما الإرهابُ والرجعيةُ بالضرورة؟ أم أن للموضوعية أوجه عدة؟
لو عدنا وقرأنا التاريخ لوجدنا حروب الإبادة التي نفذتها شعوبٌ من غير المسلمين تقوم بالتطهير العرقي والعقائدي وأذكر منها أمثلة: الحروب الصليبية، البورما، التهجير الستاليني، القنبلة الذرية، الاستعمار الأوروبي، ماجلان وجزر الفليبين، السكان الاصليين من هنود حمر وغيرهم، فلسطين، البوسنة، والفيتنام، محاكم التفتيش… وفي المقابل لم يُعرف عن المسلمين أنهم قاموا بحرب إبادة. فكل من قرأ الإسلام يعلم أنه لا يشرع للانتقام كما أنه لا يشرع لجهاد النكاح أو لمثل هذه الترهات، فالإسلام لا يشرع في الحرب قتْلَ الصغير والشيخ والمرأة وقتل النفس غيلة وغدرا وإرهاب العابد وقطع الأشجار وحرق البيوت بل شرع فقال “فإن جنحوا للسلم فاجنح لها”. فلا يوجد في الاسلام معان للتشفي والانتقام بل يوجد صبر ورحمة وتسامح وحسن تعامل في الشدة والرخاء , والثبات في الوغى.
لنتصور أن داعشيا حاملا للعقيدة الاسلامية قام بعملية إرهابية في الأيام القادمة، نسأل الله اللطف، فهل ستكون من محض الصدف أم أنه مخطط استئصالي دافعه “الدين الإسلامي” أم مخطط اخر يدفع إلى إلغاء ما قام به الاسترالي ومحوه من الذاكرة البشرية؟ اليوم بات معلوما للقاصي والداني أن “داعش” صناعة مخابراتية أمريكية انجليزية، قامت عناصرها بعمليات إرهابية تحت غطاء الإسلام وظهر أفرادها على أنهم ملتزمون بالتعاليم الاسلامية، وغاية ذلك إظهار المسلم الملتزم المشتغل في السياسة على أسوء مظهر لا يقبله العقل ولا حتى المسلمون وليُسجَّل في المخيال العام على أنه “خطر” لا بد من الانتباه منه وتقنين إقصائه تحت شعارات شتى تخدم مشروع الهيمنة والعولمة..
إن انخراط المسلمين والقبول بما يَجمَع عليه غيرُ المسلمين من مصطلحات هو تطبيعٌ في الذهن يجعل من الإسلام مكروها من مخالفيه على خلفية أنه منبع للإرهاب وعدم التعايش السلمي وبالتالي محاصرة الإسلام وأهله. إن مصطلح “الإسلام السياسي” مصطلح حديث وقع تطويره بعد سقوط حائط برلين في 1989 في مختبرات “الهيمنة العَوْلميّة” ينتهي القصد منه بوجوب إبعاد المسلم الملتزم بتعاليم الإسلام من الفعل السياسي، وأدرج المصطلح كعنوان للإرهاب والذي ينبني عليه ضرورة إقصاء المنعوتين به، ولتثبيت هذا القصد قوبل بمصطلح “الدولة المدنية” قصدا رغم أنه من المفروض لغةً أن يقابله مصطلح “الغربية السياسية” أو “العروبية السياسية” أو “الشيوعية السياسية” أو “العَوْلمية السياسية” أو “اليهودية السياسية” أو “النصرانية السياسية”..
والغريب أن المسلمين يُعدون ثلث العالم ولا أحد يبحث عن المساحات المشتركة بين المسلم وغيره في إطار الحرية الفردية والجماعية لتُبني عليها أسسُ تعامل وتعايش عالمي، بل الأغرب أنك لا تجد أحدا يسأل عن برنامج “الإسلام السياسي” في الاقتصاد والإصلاحات العمومية والسياسات الخارجية والتنمية والصحة والدفاع وتطويق الجريمة والفساد والموارد البشرية والطاقة وكيف يمكن أن تكون عليه التربية والتعليم والثقافة ليصل المجتمع إلى الرخاء.. ومما يزيد في الغرابة أن المسلم الملتزم -إن أراد إبداء وجهة نظر يستمدها من تصوره لمعتقده – يجد نفسه متهما في حركاته وسكناته وكلماته، والغرابة تزداد حين يلاحظ أن من يتهمه بالتطرف يجهل الكثير عن العلاقة بين الفكر الإسلامي والسياسة بل يجهل الكثير عن الإسلام في أبسط تجلياته، وإن حاول إصلاح بعض المفاهيم يُقصى بكِلْمة واحدة أنت من “الإسلام السياسي” وبالتالي فأنت من صناع الإرهاب وعدوٌّ للمدنية. هناك من يعتبر أن العدل الذي هو أساس التعايش السلمي لا ينضوي إلا تحت شعار “ما لقيصر لقيصر وما لله لله” أي فصل الدين عن السياسة والحقيقة ان الفصل المقصود فصلُ التعاليم الدينية للمجتمع عن التربية والتعليم والثقافة، أي رفع خصوصيتك عنك، كمسلم، وتعويضها بخصوصيته هو مكانك، ويعتبر أن من رأى غير ذلك مجرم باطل إقصائي. وصدق أحد الفلاسفة حين قال “إذا أردت أن تعيش بسلام في الأرض فعليك أن تبحث عن عدوّ في القمر” المعقول والمطلوب أن نتعايش بسلام في اطار القبول بالاختلاف، والاختلاف يوثّقه التباين، والتباين تظهره خصائص كل مجتمع يجب احترامها والأخذ بها في القوانين.
وهنا نسأل كيف يمكن في ظل العولمة أن نتكلم عن “مدنية في عالم العولمة” ونحن نجهل مقاصد العولمة والتي تهدف للتعدي على خصائص المجتمعات التي لا تنتمي إليها لتنضوي تحتها؟
المصدر : جريدة المغرب

محرز العماري

محرز العماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *