الغنوشي .. من سجون بورقيبة الى محاكمة قيس سعيد

في تحدٍّ لسُنَن الأنظمة العربية في المنطقة، ما زال الشيخ “راشد الغنوشي”، زعيم حزب النهضة التونسي صاحب الخلفية الإسلامية، يقف محاولا الصمود أمام رياح التغيير التي أطاحت بالإسلاميين بعد أن احتلوا الساحة السياسية لفترة وجيزة إبَّان الربيع العربي. ورغم الإنهاك والتقدُّم في العمر، يخوض الغنوشي معركة جديدة ضد الرئيس التونسي الحالي “قيس سعيد” عنوانها الدستور التونسي الجديد، محاولا ثني الأخير عن إخراج النهضة من المشهد السياسي الذي يهيمن عليه منذ “الانقلاب الدستوري” في 25 يوليو/تموز الماضي، الذي تسبَّب في تجميد الحياة السياسية والبرلمانية في البلاد.

بيد أن هذه المعركة الأخيرة لا تُشكِّل سوى فصل صغير في رواية طويلة مثيرة تؤرِّخ لحياة الغنوشي بوصفه أحد أشهر إسلاميي العالم العربي وأطولهم مسيرة، فهو الرجل الذي استطاع أن يُترجم أفكاره إلى حركة سياسية قاتلت طويلا في سبيل إيجاد موطئ قدم داخل المسرح السياسي التونسي الذي عادى الإسلاميين طويلا، وهي رواية لها فصول خمسة، ولا تزال أحداثها تُكتب إلى اليوم.

الفصل الأول: بندقية يوغوسلافية للدفاع عن القومية

الغنوشي 1967 (مواقع التواصل)

وجد الشاب التونسي الهارب من نظام بورقيبة العلماني ضالّته المتعطشة لكل ما هو عربي في التيار القومي المنتشر في العالم العربي أثناء الستينيات، ولم يقف حماس الشاب “راشد الغنوشي” عند هذا الحد، بل وصل إلى حد النزول في مظاهرة بدمشق السورية للمطالبة بحمل السلاح للدفاع عن سوريا ثم فلسطين. وقد كان له ذلك بعد أن وزَّع البعثيون بنادق يوغوسلافية لم يتسنَّ لها أن تحمي سوريا ولا بلاد العرب من طائرات الميراج الإسرائيلية في نهاية المطاف. ورغم أن البنادق لم تُطلِق رصاصة واحدة تجاه الإسرائيليين، عاد حزب البعث نفسه لجمع هذه البنادق من الشباب المُتحمِّس، مؤكِّدا لهم أن تفوُّق العدو الإسرائيلي لا يعني أنه سيُحقِّق أهدافه، لأن “الأنظمة الثورية العربية” باقية وتتمدد. أما الغنوشي ورفاقه فاكتفوا بشعورهم بالفخر كونهم حملوا تلك الأسلحة المتهالكة وطافوا بها في شوارع دمشق. (1)

بالعودة إلى المرحلة التي سبقت هذا “الجهاد العروبي”، جاءت رغبة الغنوشي في الانتماء إلى التيار القومي من جهة كرد فعل رافض لرياح التغريب التي عصفت بتونس في عهد الرئيس السابق “بورقيبة”، الذي لم يكن يرى لتونس إلا أن تكون قطعة من أوروبا الحديثة والعلمانية. ومن جهة أخرى، فإن القومية مَثَّلت تمرُّدا على مشايخ الزيتونة في الوقت نفسه، تلك المؤسسة الدينية العريقة التي درس فيها الغنوشي ولم تُلبِّ تطلُّعاته المعرفية وتركته حائرا بين كتب التراث البعيدة عن الواقع المُتغرِّب.

انصرف اهتمام الغنوشي في تعليمه الثانوي نحو الفلسفة والقضايا النظرية مثل الإيمان ومصير الإنسان بعد الموت وإشكاليات القضاء والقدر، إذ اتخذ من هذا التحصيل الفلسفي أسلحة ناقشت (وسخرت أحيانا) من رجال الدين، الذين اقتصرت معارفهم على المواد الشرعية ولم يجيبوا عن الأسئلة التي فرضت نفسها على الشباب التونسي. ويُعلِّق الغنوشي على هذه النقطة في كتابه “من تجربة الحركة الإسلامية في تونس” قائلا: “لم تُقدِّم لنا تلك الدروس (أي الدروس الدينية) أي جسر للقاء مع العصر، فلم يكن أحد من المشايخ يومئذ يتحدث عن اقتصاد إسلامي أو دولة إسلامية أو عن فن إسلامي، أي عن الإسلام كمنهج حياة”. وبعد حصوله على شهادة الثانوية، لم يكن من سبيل أمام الغنوشي سوى السفر بسبب إغلاق نظام بورقيبة الأبواب في وجه طلبة جامع الزيتونة، ومن ثمَّ سافر الغنوشي في رحلته التعليمية الأولى إلى أهم عاصمة عربية حينئذ: القاهرة.

لم يكن الشباب التونسي أو المغاربي عموما، الذي عانى من تبعات الاحتلال الفرنسي وعلمانيته المتوحشة وبقايا أدواته التغريبية القسرية، ينظر إلى الأنظمة العسكرية العربية كما نظر إليها المشارقة أنفسهم، فقد رأى شباب المغرب العربي في الشعارات القومية العربية امتدادا طبيعيا للدفاع عن الإسلام وأدبياته وحضوره في البيئة العربية، ولذا لم يكن مفاجئا أن تحمَّس الكثير من هؤلاء الطلبة للفكرة الناصرية، واتخذوها نهجا أيديولوجيًّا لهم. كما زاد تعلُّق الطلبة التونسيين خصوصا بالنظام السياسي في مصر بسبب الخصومة بين عبد الناصر وبورقيبة، إذ احتمى هؤلاء الطلبة بالجامعة المصرية وبجمال عبد الناصر شخصيا من السفارة التونسية التي طاردتهم آنذاك. (2) لكن لسوء حظ هؤلاء الطلبة، لم يدم شهر العسل بينهم وبين النظام المصري طويلا، فقد تصالح عبد الناصر مع بورقيبة، واستجاب لطلب سفارة تونس بتسليمهم، ولذا شرع البوليس المصري يتتبَّع الشباب الهارب من النظام التونسي بعد أن فُصل “الشباب القومي العربي والناصري” من الجامعة المصرية بقرار من عبد الناصر نفسه. (3)

انتهت مرحلة القاهرة سريعا، غير أن الإيمان بالفكرة الناصرية ظل حاضرا لدى الغنوشي، ورغم الخلاف بين البعثيين والناصريين وتبني سوريا نسختها الخاصة من القومية، فإن الغنوشي وجد في دمشق ملاذا عروبيا جديدا بعيدا عن بورقيبة ورجاله، فراح يدرس الفلسفة هناك، مُستفيدا من عدم سيطرة البعثيين الكلية على كُل أركان المجتمع السوري لحظة وصوله إلى البلاد سنة 1964. وقد شهد الغنوشي في سوريا الصراع بين اتجاهات القوميين المختلفة، وبين القوميين والإسلاميين الذين حازوا تأثيرا كبيرا في الجامعة السورية، وانتشروا في الحلقات العلمية لـ”سعيد رمضان البوطي” و”وهبة الزحيلي”، بجانب حلقات “ناصر الدين الألباني” الشيخ السلفي الشهير.

بعد سنتين من الاستقرار في سوريا، بدأ اقتناع الغنوشي بالفكرة القومية يخفُت، خصوصا بعد أن رأى أن الإسلام لم يتمتَّع بمكانة حقيقية في هذه الأيديولوجيا، التي حاربت الوجود الديني أحيانا، وفي أحسن الأحوال تعاملت معه بوصفه عنصرا محايدا ليست له مكانة أصيلة في المعركة. وقد قرَّر الشاب التونسي ترك اليسار العربي، ثم “اغتسل ونطق الشهادة وعاد إلى الإسلام” يوم 15 يونيو/حزيران 1966، حسب ما يحكيه هو عن نفسه، لكنه لم يعُد إلى الإسلام الذي تعرَّف عليه في تونس، لاعتقاده أنه لا يمت بصلة للإسلام الصحيح، فما هو إلا إسلام تقليدي مخلوط بمواريث عصر الانحطاط دون نظرة شاملة للكون والحياة. ومن ثمَّ بدأت حينها فترة البحث عن الإسلام الحقيقي في حياة الغنوشي، إذ استغل وقته في سوريا في الاطلاع على نتاج المفكرين الإسلاميين، فقرأ كتابات “محمد إقبال” و”أبو الأعلى المودودي” و”سيد قطب” و”محمد قطب” و”أبو الحسن الندوي” و”مالك بن بني” وغيرهم. وقد رفض الغنوشي الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين في سوريا؛ ليس اعتراضا على مبدأ الانضواء تحت لواء أي حركة إسلامية، ولكن لأنه اعتقد أن المحطة السورية بالنسبة له مجرد محطة مؤقتة.

خلال سنوات البحث هذه مرَّ الغنوشي بتيارات إسلامية عديدة من باب الأُنس والاقتراب، مثل السلفية التي اقتنع بها ثم ما لبث أن تركها كونها على حد قوله لا تحمل في جوهرها النظرة الشمولية للدين، كما أنها تتعارض مع المناخ الديني التونسي المالكي المذهب، والأشعري العقيدة، والصوفي السلوك. وبعد مدة من البحث، وجد الغنوشي ضالّته في “جماعة التبليغ الدعوية”، وذلك بعد وصوله إلى باريس قادما من سوريا، وسرعان ما تسلَّق الغنوشي سُلَّم المناصب إثر نشاطه وسط الجالية المسلمة في فرنسا، ونُصب إماما رغم قلة خبرته بسبب ثقافته وبساطة باقي المنتسبين الذين كانت غالبيتهم من العُمَّال. وبعد عودته إلى تونس، حمل الغنوشي معه هذا المنهج الروحي لتبليغ “آيات الله” إلى الناس وحثهم على العبادة كالصلاة والذكر وتلاوة القرآن، لكنه اضطر بعد ذلك إلى التخلي عن هذا المنهج “علنا” تحت ضغوط العداء الكبير الذي كَنَّه نظام بورقيبة البوليسي لمظاهر التديُّن، فلم يكن من سبيل إلا الاستفادة من منهج له نَفَس سياسي أوضح، وهو منهج جماعة الإخوان المسلمين. (4)

الفصل الثاني: إسلام اللحظة الراهنة

بحماس المُبشِّرين عاد الغنوشي إلى تونس مُرغَما بطلب من أسرته التي خشيت عليه “جنون الدراويش” بعدما بلغها خروجه مع جماعة التبليغ للدعوة إلى الله. وقد بدت حماسة الشباب طاغية على الشاب التونسي الذي خطا أولى خطواته في تأسيس حركة إسلامية رفقة زميلَيْ الكفاح، “أحميدة النيفر” الذي كان قد ترك هو الآخر القومية إلى الإسلام، وشاب معمم تونسي آخر اسمه “عبد الفتاح مورو”.

كانت تونس غارقة في الحداثة والتغريب آنذاك، فانبرى الغنوشي -الذي عُيِّن مُدرِّسا للفلسفة- لمهاجمة الفلسفة الغربية المادية، والتفسير الماركسي للتفاعلات المجتمعية، والنظرة “الفرويدية” للسلوك البشري؛ في سبيل إعادة الاعتبار للنص الإسلامي وردوده على الأسئلة الكبرى التي طرحها الفلاسفة. ولكن مع الوقت، تحوَّل ذلك الرفض القاطع لكل ما يمُت للفلسفة بصلة إلى نوع من تقبُّل بعض الأفكار الفلسفية، ومنها تأثير العوامل الاقتصادية في السلوك البشري، وضرورة العدل الاجتماعي الذي يحث عليه الإسلام، وهو ما تصادف مع اندلاع الثورة الإيرانية التي منحت شرعية أيديولوجية لهذه الأفكار.

وجد الغنوشي وإخوانه في الثورة الإيرانية تمثيلا واقعيا لقوة الفكرة الإسلامية عندما لا تقتصر على المواجهة العقدية وتتعداها إلى فتح جبهات أخرى سياسية واجتماعية واقتصادية. فقد مَكَّنت هذه الثورة إسلاميي تونس من “أسلمة” بعض المفاهيم الاجتماعية اليسارية وإدماج الصراع الاجتماعي في الخطاب الإسلامي. وكان الخميني نموذجا ملهما لرجل الدين المُعمَّم الذي قاد ثورة “المستضعفين”، حيث شكَّلت فكرة “المستضعفين الذين يواجهون المستكبرين” نقلة نوعية في فكر الحركة الإسلامية التونسية التي نظرت بنوع من الإعجاب للنضال اليساري ضد التمييز الطبقي. (5) ومع مرور الزمن، وتراكم التجارب، لم يعد الغنوشي ينظر بالإعجاب نفسه إلى أفكار سيد قطب التي ركَّزت على الصراع العقدي، بل اكتشف أبعادا أخرى لهذا الصراع في فكر “مالك بن بني” الذي زاره غير مرة، وتحدَّثا طويلا عن الصراع الحضاري وعن مشكلات الحضارة، كما تأثر بتجربة “حسن الترابي” في السودان، وخاصة مسألة إشراك المرأة في العمل الإسلامي.

ظهرت كل هذه التفاعلات الفكرية التي عاشها الغنوشي جليَّة في التوجهات الفكرية لحركة النهضة التي يعتبرها البعض أفتح ألوان طيف الحركات الإسلامية في العالم العربي. فقد أبانت النهضة عن قابلية كبيرة للتغيير والتنازل أحيانا لتحقيق مكاسب تكتيكية، فلم تمانع في تشكيل تحالفات مع العلمانيين واليساريين، ولم تُخفِ عبر رئيسها راشد الغنوشي قبولها بعودة بعض الشخصيات المحسوبة على نظام بن علي إلى اللعبة السياسية بحُجة عدم رغبة الحزب الإسلامي في إقصاء خصومه بالطريقة نفسها التي جرى بها إقصاؤه في السابق. ولعل تعيين “محمد الغرياني”، أحد رموز نظام بن علي وآخر أمين عام لحزب التجمُّع الدستوري الديمقراطي الحاكم سابقا الذي حُلَّ بعد الثورة، في ديوان رئيس مجلس نواب الشعب قد عبَّر عن الفكر التكتيكي لعرَّاب الحركة الإسلامية في تونس. (6)

محمد الغرياني

بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، علمت حركة النهضة أن النخب السياسية والإعلامية والمالية ما زالت متحفِّظة تجاهها، كما أدركت أن من غير المعقول حُكم البلاد دون قبول النُّخَب لمبدأ حضورها السياسي. ولهذا السبب، ورغم أن صعود حركة النهضة يُعَدُّ من ثمار “ثورة الياسمين”، فإنها لم تنتمِ إلى المعسكر الثوري تماما في تحرُّكاتها السياسية. ومع تحفُّظها أحيانا على مَن سمَّتهم “أزلام النظام السابق” الذين يقودون الثورة المضادة، فإن أولوية الحركة بالنسبة للغنوشي كانت الحضور السياسي في سبيل الوصول إلى السلطة، ومن ثمَّ لم تتخِذ النهضة موقفا معاديا من جميع قيادات حزب التجمُّع الدستوري الديمقراطي الحاكم سابقا، بل عيَّنت بعض أعضائه على رأس إدارات ومؤسسات عمومية. ولم تأتِ هذه التحرُّكات البراغماتية بطبيعة الحال حُبًّا في رجال بن علي، بل كانت محاولة جادة من الغنوشي ورفاقه لإضعاف رجال النظام السابق، وعدم السماح لهم بترميم صفوفهم والانضواء تحت لواء جهة سياسية موحَّدة مثل الحزب الدستوري الحر بقيادة “عبير موسي”، إحدى الوجوه الشهيرة بعدائها المباشر للإسلاميين والوريثة الشرعية للنظام العلماني البائد. (7)

عبير موسى والغنوشي

لم تقتصر التنازلات التي قدَّمتها النهضة على ما هو سياسي فحسب، بل تجاوزت ذلك إلى الشق الفكري والأيديولوجي، ففي مايو/أيار 2016 قرَّرت الحركة الابتعاد عن الأسس الدعوية لعملها، والاقتصار على النشاط السياسي، وقد علَّق الغنوشي حينها على هذا التحوُّل قائلا إن حركة النهضة لم تغادر الإسلام السياسي، بل دخلت إلى مجال “الديمقراطية الإسلامية”، وهو ما عُدَّ وسيلة طبيعية للمشاركة في مجتمع تونسي ديمقراطي وممارسة السياسة بشكل مفتوح، بعد أن اختبأ إسلاميو تونس في المساجد ونقابات العمال والجمعيات الخيرية سابقا على حد وصفه. (8) (9)

الفصل الثالث: في البداية كان “بورقيبة”.. ثم جاء “بن علي”

تحوي فصول التاريخ التونسي الحديث الكثير من القواسم المشتركة، وليس وحده قصر قرطاج هو الرابط الوحيد بينها، ولا رغبة غالبية ساكنيه في السيطرة على البلاد، بل هناك أيضا قواسم مشتركة أخرى لعل منها الحضور القوي من مراكز مختلفة للشيخ راشد الغنوشي. فعلى عكس الكثير من الحركات والتيارات الإسلامية التي لم تتبلور أفكارها أو اقتناعها بالفكرة الديمقراطية والمشاركة في اللعبة السياسية إلا في مرحلة ما بعد الربيع العربي، لم يرَ الغنوشي من حل حقيقي للوجود السياسي للإسلاميين التونسيين إلا عبر المشاركة في اللعبة السياسية الديمقراطية، ولو كان المُسيطر على هذه اللعبة هو نظام الحبيب بورقيبة العلماني التغريبي. وبعد إطاحة نظام الخميني بشاه إيران، لم يُخفِ الغنوشي حماسه لهذا العهد الجديد الذي دشَّنته “الثورة الإسلامية الإيرانية”، بل ورأى أن “الإسلام سيمر بهذا الانتصار من مركز الدفاع إلى مركز الهجوم، وأن عصر الدولة الإسلامية قادم لا محالة”. كلَّفت هذه الكلمات الغنوشي اعتقاله في ديسمبر/كانون الأول 1979 قبل أن يُطلق سراحه بعد أيام. ولم تتأثر الحركة الإسلامية التونسية بهذا الاعتقال، بل على العكس، استفادت منه كما استفادت من أحداث أخرى مثل “قفصة”* والغزو السوفيتي لأفغانستان، دون نسيان الأزمة الداخلية التي دفعت بنظام بورقيبة نحو بوادر انفتاح سياسي. (10)

في مايو/أيار 1981، وبعد أن أفتت حكومة “محمد مزالي” بجواز التعددية الحزبية في البلاد، تحرَّك الغنوشي وإخوانه بسرعة للإعلان في يونيو/حزيران من العام نفسه عن تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي طمعا في المشاركة، لكن لسوء حظ الغنوشي ورفاقه، لم يكن الانفتاح السياسي الذي قصده النظام جديا إلى درجة السماح بحضور الإسلاميين في الساحة السياسية، ولذا لم تتأخر الاعتقالات في صفوف أعضاء حركة الاتجاه الإسلامي، وكان من بين الموقوفين الشيخ راشد الغنوشي الذي أُفرج عنه لاحقا بعد ثلاث سنوات عام 1984 بمناسبة عيد ميلاد رئيس الجمهورية.

محمد مزالي

حاول الغنوشي بعد خروجه من السجن معاودة المحاولة للسماح لحركته بالوجود وممارسة السياسة، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 1984 التقى بـ”محمد مزالي” لبحث هذه الإمكانية، لكن طلبه قوبل بالرفض مجددا. وبدون مفاجآت كبيرة، خرج مزالي من الحكومة، وارتأى بورقيبة الدخول في مواجهات مباشرة مع الإسلاميين، فلم يرَ الرئيس التونسي من سبيل في حفظ النظام سوى إراقة دماء الإسلاميين وبسرعة، وفي مارس/آذار 1987 أوقفت السلطات التونسية الغنوشي مجددا ومعه 37 من قيادات حركة الاتجاه الإسلامي. وقد رغب بورقيبة في إعدام الغنوشي، لكن القضاء التونسي اكتفى بالحكم عليه بالمؤبَّد، ثم أُلغي الحكم بعد أن انقلب بن علي على بورقيبة معلنا بداية صفحة جديدة في تاريخ تونس. (11)

تحمَّس الغنوشي في البداية لعهد بن علي، وجدَّد المطالبة بالترخيص لحركته التي غيَّرت اسمها من “الاتجاه الإسلامي” إلى “النهضة”، لكن بن علي وإن كان قد سمح للإسلاميين بالمشاركة في انتخابات 1989 بوصفهم مستقلين، فإنه لم يستسغ النتائج التي حققوها، فبدأ التضييق عليهم، حتى انتهى هذا الفصل بفرار الغنوشي من البلاد مخافة اعتقاله، وبقية القصة معروفة، إذ لم يعد الرجل إلى بلده إلا بعد الإطاحة ببن علي في ثورة الياسمين عام 2011.

الفصل الرابع: قيس سعيَّد حليف الأمس عدو اليوم

منذ سنة 2011، أظهر قيس سعيد أفكارا محافظة تقاطعت كثيرا مع أفكار حركة النهضة، من قبيل رفض وجود الوجوه المحسوبة على التيار “البورقيبي”، كما استشاره الحزب الإسلامي في أكثر من مرة بخصوص عدد من النقاط الخاصة بالدستور، ومن ثمَّ لم يُشكِّل وصول قيس سعيد إلى السلطة أي خطر على الحركة حسب ما رأى الغنوشي والعديد من العوائل السياسية الأخرى التي انتظرت أن تكون ولاية قيس سعيد مجرد دورة تستهدف إقامة الهياكل الدستورية للدولة التونسية واستمرار العمل التشريعي. ولم يكن غريبا إذن أن حظي الرجل بدعم كبير من الكتلة الناخبة للإسلاميين خلال الانتخابات الرئاسية التونسية الأخيرة (نحو مليون صوت). بيد أن كل هذا انقلب رأسا على عقب بعد ما سمّاه معارضو سعيد “الانقلاب الدستوري” في 25 يوليو/تموز الماضي، وحاول الغنوشي بعد ذلك الدخول إلى البرلمان التونسي الذي يترأسه هو في تحدٍّ لقرار سعيد، لكنه مُنِع من ذلك. وقد شكَّلت صورة الشرطي وهو يمنع رئيس حركة النهضة من الدخول إلى مقر “عمله” السياسي هزيمة صغيرة ذات رمزية مهمة. (12)

لم تُثنِ هذه الهزيمة الغنوشي عن مواصلة نضاله ضد الرئيس قيس سعيد، وتصف “فريدة دحماني”، الكاتبة التونسية في مقال لها على مجلة “جون أفريك”، ردة فعل رئيس النهضة قائلة: “إن تخيُّل استسلام هذا السياسي المخضرم أمام قيس سعيد يعني عدم معرفة هذا الرجل الذي عارض طيلة 30 سنة بورقيبة ثم بن علي.. إنه يصمت فقط، ويراقب، ويعارض بهدوء قرارات الرئيس”. ويتجاوز الخصام بين الغنوشي وسعيد المأزق السياسي الحالي في تونس، ويتعداه اليوم إلى تحدٍّ بين الرجلين، فقبل إعلان تعليق الحياة الدستورية والبرلمانية في تونس، لم يشعر سعيد بالراحة من التحركات السياسية للغنوشي الذي يمتلك علاقات خارجية قوية، ثم بعد تعليق مهام البرلمان، ظل الرئيس التونسي يُشير إلى خصومه ومن ضمنهم الغنوشي على أنها قوى تتآمر على تونس وشعبها وأمنها. (13)

جمَّد القضاء التونسي مؤخرا حساب الغنوشي البنكي رفقة 9 آخرين، من بينهم نجله “معاذ الغنوشي” وصهره “رفيق عبد السلام” وزير الخارجية السابق، وذلك عقب طلب من قاضي التحقيق الأول بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب في المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة، التي قامت بالتحقيق مع الغنوشي في 19 يوليو/تموز الجاري في اتهامات بغسيل الأموال. ومع ذلك، لا يبدو أن الغنوشي سيقف مكتوف الأيدي، ويبدو مُصِرًّا على المُضي قُدُما في المعركة حتى آخر نقطة ممكنة، إذ دعا رئيس حركة النهضة إلى تجاوز الرئيس قيس سعيَّد بنفسه، والعمل على إجراء حوار سياسي في تونس يؤدي إلى تشكيل حكومة إنقاذ تأخذ شرعيتها من البرلمان وتنقذ البلاد من سقوط الدولة. (14) (15)

الفصل الخامس: حرائق البيت الداخلي

بمجرد انفتاح أبواب السياسة في وجههم عقب ثورات الربيع العربي، أظهر الإسلاميون تنظيما جيدا مقارنة مع عدد من التيارات السياسية الأخرى، التي كانت للمفارقة حاضرة بطريقة أو بأخرى قبل الثورات. هذا ما حدث في المغرب الذي عرف حضورا وتنظيما كبيرا من طرف جماعة العدل والإحسان المحظورة في احتجاجات 20 فبراير/شباط، ثم أداء انتخابيا جيدا من طرف حزب العدالة والتنمية الذي فاز في الانتخابات المبكرة لسنة 2011، وفي مصر حضر الإخوان المسلمون كذلك بصورة تنظيمية واضحة بعد الثورة، ولم يخرج إسلاميو تونس عن هذا النمط، فقد أبانت حركة النهضة عن تماسك تنظيمي جيد في العديد من المحطات السياسية التي عرفتها البلاد.

لحركة النهضة بنية ديمقراطية داخلية واضحة، وهي تسهر على تنظيم المؤتمرات الحزبية الدورية دون إغفال العلاقة التنظيمية وأحيانا الإنسانية التي تجمع ما بين أنصار الحركة وقادتها، لكن رغم هذا الترابط، لم تكن النهضة بمأمن عن الخلافات الداخلية التي نشأت بين أعضائها منذ ظهور حركة التحالف الحكومي “الترويكا” بعد الثورة، وركَّزت المناقشات حينها على قضايا التحول الثوري، مثل دور “التكنوقراط” غير المُنتَخبين في الحكم، وصياغة قانون العزل السياسي لأعضاء النظام القديم واستهداف السلطات للمتدينين، أكثر من القضايا الكلاسيكية التي ترتبط بالفكرة الإسلامية نفسها وعلى رأسها تحكيم الشريعة. (16)

سيتأكد هذا الاهتمام بالشأن العام في مرحلة ما بعد الثورة خلال مؤتمر النهضة التاسع سنة 2012، حين ظهرت الخلافات الأيديولوجية بين طرف مُتشبِّث بأن تكون الشريعة أساس التشريع في الدستور التونسي، وطرف ثانٍ طالب بمقاربة أكثر مرونة. ولكن سرعان ما اتفق الطرفان على ضرورة مكافحة الفساد وتطهير المشهد السياسي كأولوية قبل الحديث في القضايا الأخرى، ولكن مع مرور السنوات، واشتداد التحديات، خرجت الخلافات الداخلية في الحركة إلى العلن، ولم تقتصر هذه الخلافات على القضايا السياسية أو الأيديولوجية، بل وصلت إلى طريقة تسيير حركة النهضة نفسها، حيث طالت الانتقادات راشد الغنوشي رئيس الحركة، واتهمه بعض المنشقين بالانفراد بالقرار. (17)

وصلت هذه الخلافات ذروتها في سبتمبر/أيلول الماضي، حينما أعلن 113 عضوا من الحركة، من بينهم نواب ووزراء سابقون، عن استقالتهم من مهامهم الحزبية، محتجين على ما سمّوه بـ “الخيارات السياسية الخاطئة لقيادة الحركة”، و”تعطُّل الديمقراطية الداخلية للحركة واستفراد مجموعة من الموالين للغنوشي بالقرار داخلها، وهو ما تسبَّب في عقد تحالفات سياسية غير منطقية بل ومتناقضة مع التعهُّدات المُقدَّمة للناخبين”. كما اعتبر المستقيلون أن قرارت قيس سعيد “غير الدستورية” لم تكن لتنجح ولا لتنال دعما شعبيا لولا الصورة “المُترهِّلة” التي أبان عنها البرلمان، ولولا الإدارة الفاشلة للغنوشي. (18)

وقد علَّق “عبد اللطيف المكي”، القيادي السابق في النهضة ووزير الصحة السابق، على هذا الخروج الجماعي من الحركة بالقول إنه كان بديلا عن عملية الإصلاح من الداخل التي لم تعُد مُمكِنة، مؤكِّدا أن عددا من الأعضاء الآخرين سيلتحقون بركب الخارجين، فيما يأمل البقية بأن يتغيَّر الوضع وتتغيَّر القيادة في الحزب (في إشارة إلى الغنوشي) لتلائم التطلُّعات الجديدة. (19) أما الغنوشي، فلم يخرج كما توقَّع البعض من أجل بخس هذه الاستقالات قيمتها، بل أكَّد أنها ستؤثر على الحزب، لأن النهضة استثمرت لسنوات طويلة في الكوادر التي خرجت، مُعرِبا عن أسفه من أن الأعضاء المستقيلين لم يختاروا الحوار داخل مؤسسات الحركة لإيجاد حل وسط، كما شدَّد رئيس الحركة على ضرورة تطوير مؤسسات النهضة الداخلية لتكون قابلة لاستيعاب الأفكار والتوجُّهات المتنوعة. (20)

يعلم الغنوشي أن التحدي الأكبر الذي يعيشه في الوقت الحالي هو محاولة حشد الجبهة الداخلية لمواجهة الرئيس قيس سعيد الذي يمضي قُدُما في التضييق على خصومه السياسيين، لكن الإشكال لن يقف هنا، فحركة النهضة تقف على مفترق طرق، فقد أنهك الحكم سُمعَتها الداخلية كما حدث في أكثر من تجربة إسلامية بالعالم العربي، دون إغفال مشكلة البحث عن قيادة جديدة تخلف الرعيل الأول الذي أسَّس الحركة الإسلامية التونسية (وهي المشكلة نفسها التي يعاني منها الإسلاميون في العديد من الدول العربية من مصر إلى المغرب)، وهي أزمة وجودية للنهضة ولفكر الغنوشي شخصيا الذي حاول التبشير به منذ سنوات، ويبدو أن الأحداث تختبره الآن، لا في تونس أو داخل أروقة دولتها فحسب، ولكن داخل أروقة حركة “النهضة” نفسها.

الهوامش

*أحداث قفصة: عملية مسلحة قام بها معارضون تونسيون من ذوي التوجه العروبي للانقلاب على بورقيبة.

المصادر

  1. راشد الغنوشي، من تجربة الحركة الإسلامية في تونس.
  2. المصدر السابق.
  3. المصدر السابق.
  4. المصدر السابق.
  5. المصدر السابق.
  6. تونس. حركة النهضة، حزب محافظ بدون هوية
  7.  المصدر السابق
  8. خروج النهضة المُرتَبِكْ من الإسلام السياسي
  9. المصدر السابق.
  10. GHANNOUCHI Rached 
  11. برنامج مراجعات على قناة الحوار، مع الشيخ راشد الغنوشي.
  12. مراجعات | مع الشيخ راشد الغنوشي | الحلقة 1
  13.  المصدر السابق.
  14. تجميد حسابات الغنوشي.. استهداف للإسلام السياسي أم حيلة لدعم مشروع دستور قيس سعيّد؟
  15.  مونيكا ماركس، أي أسلوب اعتمدته النهضة أثناء عملية صياغة الدستور التونسي: الإقناع، الإكراه، أو تقديم التنازلات؟ مركز بروكينغز الدوحة.
  16.  المصدر السابق.
  17. Tunisie : en désaccord avec Ghannouchi, 113 membres d’Ennahdha démissionnent
المصدر : الجزيرة
الإعجاب و المشاركة:
fb-share-icon0
20
Twitter20
Visit Us
Follow Me
139