المحلل الاقتصادي رؤوف الغشام يكتب ل”اليوم أنفو” : هذه هي الخيارات لدعم الموارد الجبائية للدولة

ترجم قانون المالية لسنة  2018 الحاجة الماسة لتعبئة موارد  للدولة بإعتبار أن تفصيل الميزانية العامة أوضح أن القدرة الذاتية على التمويل هو في حدود 9.5 مليار دينار فيما تبقى العجز الواجب تسديده في حدود 15 مليار دينار ، وهذا ما قد يجر الدولة إلى حتمية سياسة تعبئة الموارد خلال السنة الحالية في طريق مفتوح للمخاطرة والمضي بسياسة الضغط الجبائي على المؤسسات المنتجة لمعالجة العجز الحاصل للدولة لتغطية تدهورالنفقات العمومية التي تشكو صعوبات عديدة على غرار وضعية عجز الصناديق الإجتماعية على سبيل الذكر لا  الحصر.

وفي ضل تدهور المؤسسات العمومية الموفرة للسيولة النقدية لتغطية المصاريف ودفع التنموية ،أعرب إتحاد الأعراف عن رفضه إثقالً كاهل المؤسسات بقوانين جبائية تؤثر على قدرتها التنافسية عامة وتجعل من دورها في تنشيط الدورة الإقتصادية عامة سلبيا وربما يفقد الدولة مداخيلها القارة بالأمس، وهنا يجعل الدولة أمام حتمية إيجاد حلول بديلة لدعم الموارد الجبائية.

من جهة مقابلة أيضا تمحورت مطالبات الإتحاد العام التونسي للشغل برفضه القاطع لعديد إجراءات الضريبة على الأجراء و طالب في إطار التوازن الإجتماعي العام إعادة النظر في تجميد الانتدابات في الوظيفة العمومية خاصة في  قطاعات التّعليم والصحة و المالية مقترحا على سبيل الذكر لا الحصر تعبئة 2000 موظّف عمومي لفائدة وزارة الماليّة لتكوينهم في مادة الجباية وإعادة تنظيم العمل في القباضات الماليّة .

وعليه يبدو  أن المد والجزر التاريخي بين إتحاد الشغالين و إتحاد الأعراف لتحمل العجز الحاصل للدولة لتعبئة مواردها وحاجيتها لإحترام إلتزامتها الدولية مع الخارج و نفقاتها العمومية الخانقة ،  يبرز بوضوح أن الدولة التونسية تبحث عن “النقود في جيوبها الفارغة “، و الحل لديها في واقع الأمر ليس حلا داخليا بل هو حل خارجي عبر الدبلوماسية الإقتصادية التي ضلت ” شعارا فضفاضا ” لدفع منظومة التصدير وإن صحت العبارة منعدمة الدور في إستقطاب الإستثمار الأجنبي الموفر للسيولة، لأنه نهاية أحببنا أم كرهنا فان عقلية التونسي الغني إن كثر عليه الضغط الجبائي يلجأ لتحويل إستثماراته للخارج وهذا ما حصل إبان الثورة في 2011 لعديد كبار رجال الأعمال الذين فقدوا الثقة في المنظومة،  كما أن التونسي المتوسط  و الفقير أو بمصطلحنا ” العياش ” إن ضاق به الحال ثارو إحتج وهو ما ترجمته الإحتجاجات الأخيرة في بداية جانفي 2018 مباشرة بعد إصدار قانون المالية للسنة الحالية.

وهنا يعد خيارالمضي المباشر لإستقطاب الإستثمار الأجنبي هو السليم الذي يجب التركيز عليه لضمان الإستقرار و الحفاظ على الموازنات العامة لأن البحث من جديد عن حلول في التداين الخارجي يجعلنا مكبلين و يزيد المسألة تعقيدا وربما نصل حدود الشلل الإقتصادي و الإستعمار السيادي، وهنا خيبة المسعى في الحفاظ على إستقلال قرارنا الداخلي…

وحيث أن الحل المقترح لا يتوفر ويكون مجديا إلا بتوفيرأرضية إستثمارية تتجاوز التشريعات و التسهيلات الإدارية و الإمتيازات الجبائية ، فالمستثمر الأجنبي  يرى أيضا زوايا عديدة أخرى  قبل التفكير في دخول السوق التونسية لبعث مشروعه لعل أهمها تتمحور في ما يلي :

1/ تنمية الموارد البشرية العاطلة عن العمل بصقل عقلية الأجيال القادمة لحب للعمل وللإنتاج وهي مسألة على غاية من الأهمية لوجود يد عاملة عالمية تقبل بأجور متدنية على غرار : المصري والسوداني و المغربي والموريتاني،،،وهي من شأنها التقليص من كلفة الإنتاج و عامل رئيسي في الإستقطاب ، ولا توجد حلول لدينا غير إعادة دراسة الإتفاقيات العمالية المعمول بها حاليا لخوض مسألة البحث الخارجي عن المستثمرين بدراية مسبقة ودقيقة عما نحن قادرون على توفيره.  

2/ إعادة النظر في التشريعات صلب قانون الشغل المحلي لإعطائه مزيد من الصيغة التنافسية مقارنة مع الخارج، و المضي به نحو تقليص الكلفة خلال الفترة الأولى من تركيز المشاريع الأجنبية على غرار ما يتم لعديد المستثمرين المحليين، وهذا العامل يبقى رهين قدرة الدولة على بناء قاعدة قانونية مسايرة للتشريعات الدولية.

3/ دعم و تطوير منظومة الدبلوماسية الإقتصادية للتعريف بتونس في الخارج وتوفير قاعدة بيانات وطنية صلب الدولة لتوجيه الشركات التونسية العاملة في مجال التجارة الدولية لدفع التصدير، وهنا دور المعلومة التي تساهم الدولة في توفيرها لشركات المحلية، على أن يتم تعزيز الاتفاقيات والتعاون الاقتصادي الإقليمي .

4/ إرساء علاقات جديدة مبنية على الثقة المتبادلة مع المستثمرين الأجانب بعيدا عن منطق الإنتهازية و إستغلالهم بعد تركيز مشاريعهم في تونس من قبل الشركاء المحليين ، وهو ما يدعم العلاقات ويضمن مزيد جلب إستثمارات مستقبلية للدولة.

5/ توفيرمناخ إستثماري عام سليم يقطع مع ” تبيض الأموال و التهرب الجبائي” كجرائم إقتصادية من شأنها المساس من تكافؤ الفرص بين المحليين والأجانب و يجعل من المستثمر متخوفا.

6/ الحفاظ على الإنجازات الحالية التي تم تحقيقها.

7/ توفيرالبنية التحتية الملائمة وفق المعايير الدولية للتقليل من تكاليف الإنتاج ومساعدة المؤسسات على المنافسة، وهذا قد يكون حافزا لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، لأنه نهاية من مهام الدول المضيفة توفير مثل هذه البنية المناسبة.

8/إعتماد مزيد من المرونة في القيود و طول إجراءات البنك المركزي فيما يتعلق بتحويل العملات الأجنبية إلى الخارج على الشركات الأجنبية المقيمة بتونس.

9/ العمل على توفير منظومة قضائية قادرة على تنفيذ القوانين و التعاقدات وحل النزاعات التي تنشأ بين المستثمر والدولة بكفاءة عالية وعادلة، مع تجاوز الزخم الحاصل في عدد القضايا المرفوعة بالمحاكم التونسية.

في ختام حوصلتنا بدا واضحا أن الحل الوحيد هو الاستثمار الأجنبي المباشر كأحد أفضل مصدر متاح لتمويل التنمية و توفير العملة الصعبة لدفع الشركات الأجنبية والمحلية تتنافس فيما بينها وجعل الاقتصاد أكثر جاذبية و إغراء  من خلال العوامل المحفزة المتقدمة الذكر والتي تعتبر جملة من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للدولة. وإجمالا العوامل المحفزة هي عوامل تخص الدول المضيفة في حين أن دوافع الاستثمار الأجنبي المباشر تخص الدول المصدرة للاستثمار الأجنبي المباشر ولا حل لتونس إلا بخوض هذا الرهان “الإستثمار الأجنبي” كبديل لدعم الموارد الجبائية التي ضلت محل تجاذبات بين إتحاد الأعراف و الشغالين ويعوقها من وقت لآخر التهرب الضريبي وجرائم غسيل الأموال.

 

محرز العماري

محرز العماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *