المفتيات المسلمات: أتقنّ الفقه وتولين القضاء وتتلمذ على أياديهن رجال ونساء

تحدث ابن حزم الأندلسي القرطبي، أكبر علماء الأندلس، عن ترعرعه على أيدي النساء، فقال: “تربيت في حجورهن، ونشأت بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن، ولا جالست الرجال إلا وأنا في حد الشباب… وهنّ علمنني القرآن وروينني كثيراً من الأشعار ودربنني في الخط”.

لعل شهادته خير بداية للحديث عن تاريخ الفقه الإسلامي الذي يحفل بنساء عالمات كان لهن تأثيراً كبيراً، وتتلمذ على أياديهن كثير من الرجال المشاهير.

كنّ يسافرن في طلب العلم، ويسافر إليهن طلاب المعرفة من بلاد أخرى. ومن أهمية بعضهن أن خلفاءً وملوكاً كانوا يطلبون استشارتهن قبل اتخاذ القرار، بل ومنهم من كان يذهب إلى مجالسهن ليستمع إلى علمهن.

انتشار المفتيات خلال عصور إسلامية مختلفة، يشير إلى أنّ أمر إفتاء المرأة لم يكن سمة لمرحلة محددة أو قاصراً على شخصيات بعينها، بل كان أمراً عضوياً، بدأ منذ صدر الإسلام، واستمر قروناً طويلة بعد ذلك. في السطور التالية، نستعرض مجموعة من أشهر المفتيات، خلال عصور إسلامية مختلفة.

أم الدرداء الصغرى

ممن برزن في القرن الأول الهجري، خلال العهد الأموي، التابعية هُجَيمة بنت حيي الأوصابية، وقيل “جهيمة”، زوجة الصحابي أبوالدرداء الأنصاري، وكانت تصغره كثيراً. كانت فقيهة ومحدثة، وكان لها مجلس علم في المسجد الأموي بدمشق، يقصدها به طلبة العلم.

يحكى بأنّ الخليفة الأموي، عبدالملك بن مروان، كان من جلسائها، وأحياناً كان يجلس ضمن الطلبة (وهو خليفة)، لا وحده. وجاء في ترجمتها في “سير أعلام النبلاء” للذهبي، أنها كانت تصلي في صفوف الرجال، وتجلس في حلق القراء تعلم القرآن.

توفيت عام 81هـ في دمشق، وقال محمد بن حبان في كتابه “الثقات”، إنها كانت تقيم 6 أشهر في بيت المقدس، و6 آخرين في دمشق، سنوياً.

أم موسى القهرمانة

وفي العصر العباسي، برزت كثيرات، منهن “ثمل” أو أم موسى القهرمانة، التي كانت أول امراة تتولى القضاء في الإسلام، حيث تولت منصب “قاضي قضاة بغداد”، عام 306هـ، في عهد الخليفة العباسي المقتدر بالله، بدعم من “ناعم” المكناه بـ”شغب”، أم المقتدر، وكانت تجلس في دار المظالم برصافة بغداد كل يوم جمعة ومعها عدد من الفقهاء، لاستشارتهم قبل إصدار الأحكام والفصل في النزاعات.

منصب القاضي في تلك العصور، لا يتولاه إلا الفقهاء من الرجال، ولهذا تندّر البعض بل واعترض على الأمر، وشاع وقتها حديث “ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”، إلا أن الأمر استمر لسنوات، وتعايش الناس معه.

وصل نفوذ القهرمانة إلى استطاعتها عزل وتولية الوزراء، ولكنها تركت القضاء بعد خلاف مع أم المقتدر، التي خافت من نفوذها السياسي، فأمرت باعتقالها هي وأهلها ومصادرة أموالهم، عام 310 هـ، وقيل 311هـ.

ورد ذكر أم موسى في عدد كبير من أمهات كتب التاريخ، ومنها “تاريخ الإسلام” للذهبي، “الكامل في التاريخ” لابن الأثير، “البداية والنهاية” لابن كثير، و”تجارب الأمم وتعاقب الهمم” لابن مسكويه.

محرز العماري

محرز العماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *