بعد 56 سنة من الجلاء الزراعي .. الاراضي الدولية الفلاحية إلى أين؟؟؟

 

حياة بن يادم مهندس مختص في الاقتصاد الريفي

تحتفل تونس في 12 ماي من كل عام منذ سنة 1964 بذكرى الجلاء الزراعي و بعودة ملكية كل الأراضي التي تعتبر ثروة وطنية، و وسيلة لتحقيق النمو و الاكتفاء الذاتي من المنتوجات الفلاحية، باعتبار أنها من أخصب الأراضي التونسية التي استوطنها المعمر قبل رحيله.
يكون الاحتفال بهذه الذكرى عادة من طرف هرم السلطة بحضور ممثلين عن الاحزاب السياسية و مكونات المجتمع المدني و المنظمات الوطنية و على رأسها إتحاد الفلاحين، باعتبارها عيدا وطنيا للفلاحة. و تكون مناسبة لإلقاء الخطابات و التهاني و الشكر و التوسيم و التذكير بدور الفلاحة في المساهمة في الناتج الداخلي الخام، و في مجهود التصدير و في استقطابها لجملة من الاستثمارات في الاقتصاد الوطني، و تأمينها لموارد الرزق لمئات الآلاف من العائلات، و تشغيلها لنسب مهمة من اليد العاملة. والتأكيد ككل مرة على أنها مقوم من مقومات السيادة الوطنية و تعديد الاجراءات المتخذة لفائدتها. و الحال و أنها في ذيل قائمة القطاعات من حيث ترتيب الأولويات.
هذه السنة فرضت كورونا جدولها الزمني، و أوقفت الاحتفال الاستعراضي. و اكتفى رئيس الحكومة بتوجيه رسالة للعائلة الفلاحية الموسعة، متضمنة ما تم ذكره سابقا. لكن على الرغم و أن الجلاء الزراعي تمثل في استعادة الدولة التونسية سيادتها على الأراضي الفلاحية، فإن رسالة رئيس الحكومة كانت خالية من الإشارة الى الأراضي الدولية، و التي تعتبر ثروة وطنية و من بين أهم الحلول للأزمة الاقتصادية التي ستنكشف حال وضع معركة كورونا غبارها.
أراضي خصبة أنعم الله بها على الحكومات المتعاقبة، لكنها مع الأسف كانت و لازالت دون الاستغلال الأمثل المرجو منها و كانت وسيلة للترضيات و للاستغلال السياسي الفاحش منذ الجلاء الزراعي.
و بالرجوع لتاريخ الأراضي الدولية فهي مساحات متأتية من تصفية الأحباس طبقا لمقتضيات الأوامر الصادرة في الغرض بتاريخ 31 ماي 1956 و 18 جويلية 1957. و مساحات مسترجعة من المستعمرين عن طريق الشراء المباشر أو تبعا لمقتضيات قانون التأميم الصادر في 12 ماي 1964.
و قد أوكلت مهمة التصرف في هذه الأراضي الى دواوين مجردة و الأراضي الدولية و تربية الماشية، مع تخصيص مساحات مشتتة على ذمة المجالس الجهوية. و قام الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بتمكين قادة حزبه و المقربين اليه و بعض المقاومين المرضي عنهم بأخصب الأراضي.
و مرّت هيكلة هذه الأراضي منذ ستينات القرن الماضي على عدة محطات.

المحطة الأولى 1962 – 1969 تجربة التعاضد:

حيث تم تعميم التنظيم الجماعي للقطاع الفلاحي على نحو قسري بضم الملكيات الفردية للمستغلات الفلاحية للأراضي الدولية. و تم بعث تعاضديات إحياء و إنتاج. لكن هذه الصيغة لم تدم كثيرا، حيث جاء القانون عدد 56 المؤرخ في 22 سبتمبر 1969، مؤكّدا على تعايش القطاعات الثلاثة في الميدان الفلاحي: العمومي والتعاضدي والخاص معلنا بذلك انتهاء تجربة التعاضد.

المحطة الثانية 1970 – 1980:

بعد التراجع عن سياسة التعاضد و إقرار مبدأ تواجد 3 قطاعات العمومي و التعاضدي و الخاص بقيت سوى 226 تعاضدية على مساحة جملية تقدر ب 236664 هك بعد انسحاب الخواص. و تم إصدار قانون عدد 25 لسنة 1970 بتاريخ 19 ماي 1970، الذي مكن من التفويت لفائدة الخواص للأراضي الدولية. و كان التصرف و الإشراف على الأراضي الدولية بصفة عامة من طرف ديوان الأراضي الدولية.

المحطة الثالثة 1980 – 1990:

تم إحداث مكتب مراقبة وحدات الإنتاج الفلاحي بمقتضى أمر عدد 1385 لسنة 1981 المؤرخ في 27 أكتوبر 1981، يضبط مشمولاته و تنظيمه، مهمته الإشراف على قطاع الوحدات التعاضدية للانتاج الفلاحي المستغلة للأراضي الدولية الفلاحية ، و التي بقيت من تجربة التعاضد بعد انسحاب الملكيات الفردية. حيث كانت اللبنات الأولى لتأسيس التجربة المذكورة. و في سنة 1984 صدر قانون عدد 28 المؤرخ في 12 ماي 1984، يتعلق بتنظيم الوحدات المذكورة سابقا و أمهلها 3 سنوات من تاريخ صدور القانون المذكور للقيام بالجلسات العامة الـتأسيسية. و تم حصر مهمة ديوان الأراضي الدولية في استغلال عدد من الضيعات الكبرى. كما أن الوحدات في هذه الفترة لعبت دورا اقتصاديا و اجتماعيا و نشأت حولها تجمعات سكنية ظهرت في أرياف ولايات الشمال حيث تركزت فيها أغلب الوحدات.

المحطة الثالثة 1990 – 2010:

في سنة 1995 وقعت استشارة وطنية تمثلت توصياتها في إقرار إعادة هيكلة الأراضي الدولية حسب صيغ الاستغلال التالية، شركات إحياء و تنمية فلاحية ومقاسم للفنيين الفلاحيين و مقاسم للفلاحين الشبان و المتعاضدين القدامى. بالإضافة الى مراجعة أساليب التصرف بالنسبة للضيعات المتبقية بالقطاع العام و ذلك على أساس توخي اللامركزية لمزيد المرونة في التصرف. لكن هذه التوصية الأخيرة بقيت حبرا على ورق.
و تبعا لهذه الاستشارة دخلت الدولة في سياسة الخوصصة حيث صدر في سنة 1995 قانون عدد 21 المؤرخ في 13 فيفري 1995، المتعلق بالعقارات الدولية الفلاحية، الذي حدد بالخصوص صيغ استغلال الأراضي الدولية و شروطه.
حيث شهدت الأراضي الدولية إعادة هيكلتها بالصيغ المذكورة و تميزت هذه الفترة “بمحرقة الأراضي الدولية”. حيث تم تقسيمها و تفصيلها على مقاس العائلة الحاكمة و على المتنفذين. و أسندت أهمّ الشركات لغير مستحقيها. و حسب تقرير المهمة الرقابية حول الأراضي الفلاحية المهيكلة بتاريخ 26 ديسمبر 2018، المنجز من طرف محكمة المحاسبات “أن أغلب عمليّات الإسناد إلى حدود سنة 2010 اتسمت بمخالفتها للقانون ولمبادئ الشفافيّة.. حيث تم إسناد 11 ألف هكتار من أفضل الضيعات لفائدة أفراد من عائلة الرئيس الأسبق وأصهاره والمقربين منه دون احترام قواعد المنافسة وشفافيّة الإجراءات وتكافؤ الفرص. وأسندت ضيعة “الهلال 1” إلى وزير الفلاحة الأسبق ورئيس الاتّحاد الوطني للفلاحة والصيد البحري “م.ب” في ظلّ وضعيّة تضارب للمصالح ومقسم بمساحة 20 هك بالمراكنة من ضمن المقاسم المبرمجة بالقائمة 16 والمعدّة للتشغيل.. ولا يزال الاستغلال متواصلا إلى موفّى سبتمبر 2017 مع عدم خلاص معينات كراء قدرها 88,221 ألف دينار”.

المحطة الرابعة بعد الثورة

بعد الثورة على الرغم من إسقاط الحق عن عديد شركات الإحياء و التنمية الفلاحية التي لم تلتزم بتطبيق كراس الشروط، فإن شركات أخرى متجاوزة واصلت نشاطها بصفة عادية حيث أشار تقرير المهمة الرقابية إلى أن “بالرّغم من إسناد التصرّف في 47 ضيعة من أفضل الضيعات والمقاسم وأهمّها مردوديّة بتعليمات رئاسيّة بشأن أغلبها في شكل شركات إحياء، فقد واصلت 16 شركة منها نشاطها بشكل عادي إلى موفي سبتمبر 2017. دون أن يقوم أغلبها بتسديد ما تخلّد بذمتها من مستحقات بعنوان معينات الكراء والّتي فاقت 2 مليون دينار فضلا عن مواصلة عدد منها الانتفاع بمنح عمومية للتشجيع على الاستثمار، منها 15 شركة لم يتمّ اتّخاذ أيّ إجراء ضدّها كالمصادرة وإسقاط الحق بالرغم من ثبوت تمتّعها بإسناد التصرّف في الضيعات خلافا للإجراءات القانونيّة”.

كما شهدنا إرجاع شركات أخرى من طرف أصحابها نظرا لعدم رغبتهم المواصلة في استغلال الأراضي الدولية. و تم وضع هذه الأراضي تحت تصرف ديوان الأراضي الدولية لحين إعادة هيكلتها و إسنادها لمستثمرين جدد.

بعد 20 سنة من تاريخ الاستشارة الوطنية الأولى وقعت سنة 2015 إستشارة وطنية ثانية حول تطوير أداء الأراضي الدولية الفلاحية و من بين أهم مخرجاتها مواصلة هيكلة الأراضي بالصيغ المذكورة مع إضافة إحداث وحدات تعاضدية للانتاج الفلاحي. كما أقرت وزارة الفلاحة في إطار قانون الشراكة بين القطاع العام و القطاع الخاص حصر مشاريع الشراكة بين القطاعين في الأراضي المسترجعة دون سواها (حوالي 16 ألف هكتار).
و اليوم و بعد 56 سنة من الجلاء الزراعي تعرضت خلالها الأراضي الدولية لعملية تشتيت و تشويه و استثمار سياسي و إجرام في حق المجموعة الوطنية و تقرير المهمة الرقابية المذكور أكبر شاهد على الجريمة المتواصلة في حق أخصب الأراضي الدولية. و يبين و أن التجاوزات مازالت متواصلة حتى بعد الثورة، و خلص التقرير بملاحظات “تعلّقت بمحدوديّة فعاليّة إجراءات إسناد التصرّف في هذه الأراضي واستغلالها إذ تقلّ مردوديّة 40 % منها عن معدّل مردوديّة ضيعات الخواص المجاورة بالرغم من تواجدها بأخصب الأراضي الفلاحية بالبلاد”.
حسب المعطيات المتوفرة من وزارة الفلاحة و الموارد المائية و الصيد البحري، فالأراضي الدولية تمسح اليوم قرابة 500 ألف هكتار.
قرابة 40 بالمائة منها غير مهيكلة و تقدر مساحتها ب 196 ألف هك موزعة كالآتي:
قرابة 165 الف هك تحت تصرف ديوان الأراضي الدولية.
قرابة 16 الف هك تحت تصرف الوحدات التعاضدية للانتاج الفلاحي.
قرابة 15 ألف هك تحت تصرف هياكل البحث العلمي و التعليم الفلاحي و التعاضديات المركزية.

أما الأراضي المهيكلة فتمثل قرابة 60 بالمائة من مجمل الأراضي الدولية و تقدر مساحتها ب 304 ألف هك و تتوزع كالآتي:

قرابة 90 ألف هك شركات الإحياء و التنمية الفلاحية الناشطة.
قرابة 55 ألف هك مقاسم فلاحية للفنيين.
قرابة 30 ألف هك مقاسم فلاحين شبان و متعاضدين قدامى.
قرابة 32 ألف هك قطع مشتتة مسوغة للخواص.
قرابة 38 ألف هك غابات و أراضي تعويضات و متفرقات.
قرابة 59 ألف هك أراضي مسترجعة تحت تصرف ديوان الأراضي الدولية بصفة مؤقتة لحين إعادة هيكلتها.

هذا المشهد المشتت جعل من عملية إعادة هيكلة الأراضي عملية صعبة مما اضطر الدولة الاستنجاد بصيغة الوحدات التعاضدية للانتاج الفلاحي لاستغلال بعض الضيعات المسترجعة و التي لم تلقى رغبة من المستثمرين نظرا لمحدودية مواردها. و الحال و أن القانون المنظم للوحدات لا يتماشى مع الوضع الحالي نظرا لوجود عدة هينات فيه. هذا ما يطرح سؤالا هل نحن أمام إعادة رسكلة الفشل؟.
كما أن الاستشارة التي وقعت في 2015 انتهجت نفس الآلية البيروقراطية المعتمدة سابقا. فكانت المقترحات جاهزة و الاستشارة الجهوية عبارة على تزكية ما تم اتخاذه على المستوى المركزي. و لم يقع تقييم التجربة السابقة مع العلم و أن معظم شركات الإحياء و التنمية الفلاحية و مقاسم الفنيين و الفلاحين الشبان تعاني من صعوبات فنية و مالية. و لم تأخذ بعين الاعتبار التغير الديمغرافي الذي نتج عن إعادة هيكلة الأراضي الدولية. حيث نشاهد أغلب التجمعات السكانية في أرياف ولايات الشمال و التي تمثل أكثر من 50 بالمائة من سكان الولايات المذكورة، و تصل إلى قرابة 70 بالمائة مثلما هو الحال في ولاية زغوان. محاطة هذه القرى بالأراضي الدولية، و متساكنيها من قدماء المتعاضدين و هم عبارة على فلّاحة بدون أرض و أغلبهم يقومون بتربية الماشية.

حال الأراضي الدولية في ستينات القرن الماضي كحال قطعة قماش بيضاء تم تفصيلها، و بعد فشل تجربة التفصيل الاولى أعيد تفصيلها بصيغة مشوهة على المقاس، و اليوم تجد الدولة نفسها أمام تفصيل “تفصيل –تفصيل المقاس” كما أن اللون الأبيض تغير بنشوء تكتلات سكانية تتوسط هذه الأراضي على امتداد أغلب أرياف ولايات الشمال.
ليس أمام الدولة في زمن جائحة كورونا و التي لم تظهر بعد مؤشرات انقشاعها، سوى النجاح في موضوع الفلاحة و الأمن الغذائي، بالاعتماد على الإمكانيات الذاتية. و ما عليها سوى تغيير منهجيتها من القول إلى الفعل بجعل الفلاحة أولوية الأوليات. و ذلك بالاستغلال الأمثل لهذه الأراضي الزراعية الدولية الخصبة، و بحسن هيكلتها و القيام بإيقاف نزيف التجاوزات و سوء الاستغلال و التصرف و الذي مازال متواصلا إلى اليوم. و العمل بالتوصيات التي خلص له تقرير المهمة الرقابية و المتمثل في:

* “إحكام برمجة إسناد التصرّف في الأراضي الفلاحيّة المهيكلة عبر وضع أهداف ومؤشرات واضحة بما يضمن متابعة الإنجازات وتقييمها فضلا عن ضبط معايير لإصدار القائمات وتعميق دراسة صيغ التصرف في الأراضي قبل الإعلان عنها”.

* توخي الدقة اللازمة عند تحديد المعايير المضبوطة بكرّاسات الشرّوط لتضمن إقبال المستثمرين على استغلال الأراضي الفلاحية المهيكلة وإحيائها والحصول على أفضل العروض”.

* “التقيّد بمعايير الشفافيّة والنزاهة في عمليّة إسناد التصرّف في الأراضي الفلاحية المهيكلة واحترام الإجراءات القانونية المستوجبة في المجال بما يضمن المساواة بين المستثمرين”.

محرز العماري

محرز العماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *