تفعيل التعددية النقابية

تكتبها بالنيابة : روضة المداغي
تفعيل التعددية النقابية هو السبيل الوحيد للتصدي لعصابة إتحاد الشغل التي تدعي الدفاع عن الطبقة الشغيلة والحال أنها تدفع بالبلاد إلى الهاوية. لا أحد ينكر تردي الأوضاع المعيشية، ولا أحد راض عن أداء الحكومة مائة بالمائة، ولكن لو أردنا أن نكون منصفين لاعترفنا بأن هذه الحكومة غير مسؤولة بالدرجة الأولى عما آلت إليه الأوضاع وأن الباجي قائد السبسي ورط جميع الحكومات التي جاءت بعده، وقد سبق وصرح بذلك في لقائه على قناة الجزيرة مع الصحفي احمد منصور حيث قال بالحرف الواحد أن الحكومات التي ستأتي بعد حكومته ستمشي على الخط الذي رسمه لها ولن تستطيع الحياد عنه. ومن أراد التأكد من هذا فما عليه إلا أن يبحث عن الفيديو وسيجده وهذا ليس أبدا بالأمر الصعب في عصر الڤوڤل واليوتيوب. الباجي قايد السبسي كان أول من أقر الزيادات لموظفي الوزارة الأولى إبان توليه منصب رئيس الحكومة سنة 2011 ومن هناك انطلق سيل المطالبة بالزيادات في بقية الوزارات ثم بقية القطاعات ولم تتوقف إلى يوم الناس هذا. فهل يعقل في دولة قامت فيها ثورة على نظام فاسد فاختلت فيها كل الموازين، أن ينخرط إتحاد الشغل في هستيرية مفزعة من الإضرابات (فاقت 35 ألف إضراب) والاعتصامات وغلق الطرقات وتعطيل الإنتاج؟! ألم يكن من دور الإتحاد العام التونسي للشغل، وأضع سطرين تحت كلمة الشغل، أن يلعب دورا وطنيا رائدا في مرحلة حرجة تمر بها بلادنا فَيَحُثَّ العمال ويستنهض هممهم لمزيد البذل والعطاء لإخراج تونس من وضعها الهش؟ ألم يكن حريّا به أن يقف صفّا واحدا مع الشباب الذي ثار من أجل الحرية والكرامة والشغل؟! أم أن الزيادات في الأجور لمن يتمتعون بعمل قار وراتب شهري “مسمار في حيط” أولى من أولئك الشبان من حاملي الشهائد العليا الذين يعانون البطالة والتهميش؟ للأسف الشديد انخرط إتحاد الشغل في حرب غير مبررة على حكومات ما بعد الثورة وخصوصا على حكومة الترويكا، حرب بخلفية إيديولوجية صرفة ولا يرتقي إليها الشك، لأننا إن عدنا الى “نضالات” إتحاد الشغل زمن الدكتاتورية فسنجد تاريخا ملطخا بالعمالة والانبطاح والمناشدة لنظام بن علي مقابل تحصيل منافع شخصية لقياداته وتغافل متعمّد عن مصلحة الشغّالين وشبه انعدام للاضرابات العامة على ما كان عليه نظام المخلوع والتجمّع المنحطّ من تجبر وقمع واستبداد! فكيف نصدق ادعاءات الطبوبي والصف الأمامي لنقابيي الإتحاد والذين، من فرط الشفافية، عقدوا مؤتمرهم الإنتخابي الأول بعد الثورة على عجل في طبرقة ودون تشريك جميع المعنيين بالأمر وكأنهم كانوا في سباق مع الزمن ليقطعوا الطريق أمام أي ريح تعصف بالرؤوس المتورطة مع نظام بن علي! إن تمترس اليسار الاستئصالي وهيمنته على جل مفاصل الدولة، ما يسمى بالدولة العميقة، لن يساهم إلا في مزيد تأزيم الأوضاع واغراق البلاد في شتى أنواع الأزمات حتى تسقط الدولة فيستحيل العيش فيها ويغدو ما كان واقعا اليوم حلما صعب المنال وأمنية غالية! وهذا ما تدفع له تلك الاصوات الناعقة في مجلس نواب الشعب ومن خلال بلاتوهات التلفزات الخاصة والعامة على حد السواء! وما الإضراب العام، في وضع اقتصادي على شفا جرف هار، إلا وجه من أوجه الإرهاب في نظري. إن ما تآخذ عليه هذه الحكومة هو تهاونها في محاربة الفساد وعدم الضرب بيد من حديد على أيدي كل العابثين الذين يضيقون على الشعب سبل الحياة ويساهمون بطريقة مباشرة في احتقان الأوضاع. ومهما بذلت الحكومة من مجهودات في محاربة المحتكرين والمهربين، فإنها تظل مقصرة مادام المواطن لازال يشتكي غياب مواد حياتية أساسية وهي مطالبة في هذا المجال بمزيد بذل الجهد لإجهاض محاولات تجييش الشعب من خلال حرمانه من أدنى متطلبات الحياة. إن إغفال الاتحاد لمثل هذه الظواهر التي يراد من خلالها زعزعة الإستقرار الإجتماعي والأمن القومي، وعدم مساندة الدولة في مجهودها هذا للقضاء على هذه المحاولات الخبيثة، وتشتيت التركيز على الأولويات، بافتعال أزمات إجتماعية معلومة المصادر، إنما هو مشاركة غير مباشرة منه لأعداء الوطن. وعليه، فلقد كان على الحكومات المتعاقبة وخصوصا الترويكا، تفعيل التعددية النقابية وتشريك جميع المنظمات الشغيلة الأخرى في الحوارات الإجتماعية والإقتصادية للحد من هيمنة إتحاد الشغل على الساحة الشغلية واستقوائه على السلطة المنتخبة ديمقراطيا من رحم هذا الشعب بعد سنين عجاف، وتهديده لمسار التنمية وتعطيلة لعجلة الإنتاج بخلفية إيديولوجية بحتة وليس كما يوهم به العامة من انتصار لمطالب الشعب وسعيا للسيادة الوطنية والحال أنه يقف حجر عثرة أمام قطار التنمية بافعاله التي ترتقي إلى مستوى الجريمة، ويجبر الحكومة على الإقتراض لتغطية مطالب الزيادة في الأجور ثم يتهمها بالإرتهان لصندوق النقد الدولي والبنوك العالمية!!!! فأي منطق هذا بربكم؟! إن ارتقاء الأمم ونهضتها مرتبط أساسا بصلاح حكامها ووعي شعوبها واضطلاع نخبها بدورها الإصلاحي. ولن يتحقق نجاح دون تضحيات ولن ترتق أمة في سلم الحضارة إلا بالعلم والعمل ولن يتقدم علم دون إخلاص ولن يفلح عمل دون أخلاق وصدق نية وحسن توكل وإيمان تام. وما أبعد اولئك الذين يتشدقون بالنضال والإخلاص في العمل عن الصدق والإتقان والتفاني وعن الوطنية ايضا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *