تونس ستنتصر

تكتبها بالنيابة : روضة المداغي 

بتاريخ 14 جانفي 2011، ظننا أننا تخلصنا من النظام البائد بكل مفاسده وشروره واستبشرنا بفرار المخلوع وهتفنا أن الحمد لله قد انزاحت الغمة عن بلادنا. ولكن للأسف سقط رأس النظام ولكن النظام لم يسقط. نعم لم يسقط نظام الفساد والمحسوبية والرشوة والتواكل وانعدام الضمير!
الفساد لازال متغلغلا في مفاصل الدولة وينخر جسد هذا الوطن بلا رحمة! لقد عرت حادثة موت 15 طفلا، رحمهم الله، في مستشفى الرابطة، الفساد المستشري في قطاع الصحة شأنه شأن بقية القطاعات وأحالتنا إلى الاستنتاج بأن الإرادة السياسية غير متوفرة لمحاربة الفساد كما أوحى لنا الشاهد إبان حملته المزعومة والتي لم تكن في الحقيقة إلا مجرد تصفية حسابات بين المافيا المتحكمة بالبلاد.
يحاول الإعلام جاهدا تلبيس الأمور على الناس ليوهمهم بأن ما تعيشه تونس من كوارث متتالية إنما هو نتاج لحكم الترويكا التي لم تمكث في الحكم إلا سنتان 2011-2013، وهي فترة لا يمكن أن تتيح تقييما موضوعيا لإنجازاتها، رغم أن كل المؤشرات كانت إيجابية وأن نسبة النمو بلغت ما يقارب 3%. هذه الأحداث غير العادية، تزامنا مع ما تسعى إليه هيئة الإفك الجبهاوية بتشجيع من ساكن قرطاج وبطانته، ما هي في الحقيقة إلا مساعٍِ خبيثة لتعكير الجو العام وبث الاحباط في صفوف الشعب التونسي لدفعهم دفعا الى العزوف عن الإنتخابات وفقدان الأمل في الطبقة السياسية برمّتها، مع النفخ في المدعوة عبير موسي واخراجها في صورة المنقذة والزعيمة مع ما تبثه من سموم أينما حلت مجاهرة بعداءها المرضي للإسلاميين. هذا التركيز على هذه المتنطعة المارقة في أغلب البلاتوات التلفزية والمنابر الإذاعية، لا شك ان له دلالات وغايات. وكلنا نتذكر تركيز الإعلام على الفقيد شكري بلعيد في الفترة التي سبقت إغتياله، والذي تميز بخطابه المعادي لحركة النهضة، ومن ثم حدث الاغتيال ليوهموا الرأي العام أن من يقف وراء اغتياله هي حركة النهضة لإجبارها على ترك الحكم!!!
كل ما نخشاه أن يعاد نفس السيناريو، وقد سبق وتحدث عن ذلك الزرڤوني في أحد البرامج الإذاعية حين سئل عن حظوظ النهضة في الإنتخابات فأجاب أنها في طليعة نوايا التصويت إلا إذا وقع حادث اغتيال!!! هذا التصريح الصادم ، مر مرور الكرام ولم تتجند الماكينة الإعلامية لتحليله وتمحيصه كعهدنا بها إذا ما تعلق الأمر بحركة النهضة أو بتصريح لأحد قياداتها…
الجدير بالذكر أن التجربة أثبتت وبالملموس فشل المنظومة الحالية في إدارة شأن البلاد، والتي تتكون أساسا من حزب النداء سابقا- الشاهد حاليا- والتي يريدون إيهام الرأي العام بأنها حكومة النهضة (بمنطق النهضة خارجة من الربح داخلة في الخسارة)، وأن من يكونون المشهد الآن قد ساهموا بشكل مباشر في تأزيم الأوضاع.
هم قدموا حملاتهم الإنتخابية على أساس إنقاذ البلاد من “تغول” النهضة، فتغولوا هم بل توحشوا. وعدوا الشعب “بجنة وفيها بريكاجي “، فزادوه فقرا. قالوا أنهم سيكافحون الإرهاب، فمارسوا هم الإرهاب بكل أصنافه على الشعب،،، أغرقوا البلاد في مشاكل حزبهم من أعلى سلطة في البلاد إلى أسفلها حتى تعفن المناخ السياسي وأصبح بمثابة البالوعة لا تشتم منه إلا الروائح العفنة!!! فهل تتحمل النهضة فشل النداء في إدارة شؤونه الداخلية حتى تشظى إلى حزيبات؟ وهل تتحمل النهضة فشل النداء في إدارة شؤون البلاد حتى أصبحت مشاكل الحزب أهم من مشاكل التونسيين وهمومهم؟!
للتذكير، حزب النداء هو حزب تجمع مرسكل وما تولّد عنه من شقوق تحولت إلى حزيبات، تجتمع كلها على اللامشروع واللارؤية، بل كل ما يهمها هو محاربة ذلك البعبع الذي يشتمونه جهرا ويطلبون وده سرا واحيانا كثيرة جهرا. فماذا ينتظر هذا الشعب الكريم من أناس مارسوا عليه طيلة عقود طويلة حرب استنزاف لمقدّراته وثقافته وأخلاقياته وثوابته؟!
إن المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين، فما بال شعب تونس الذي ذاق ويلات الإستبداد والاستعباد يلدغ مرات ومرات ولا يثوب إلى رشده؟ آ لنقص في الإيمان يا شعب تونس ؟ أم استمرأت العبودية ورضيت بالذل والهوان وأحببت عصا النظام البوليسي المسلطة عليك ؟! الجواب بسيط لأن تغييب الوعي واستبلاه عقول الناس وتلبيس الأمور عليهم من أكبر الرهانات التي تراهن عليها الأنظمة الاستبدادية، وهي جريمة أفظع من استنزاف الثروات واحتكار السلطة، وذلك لضمان استمراريتها حتى ولو قامت عليها ثورة! فهي تثق تماما بأنها ستتحكم في المشهد بطريقة أو بأخرى وستعود الى الحكم من جديد مستغلة سذاجة الشعب ومعولة على “الماكينة” الإعلامية! لأنها تعلم جيدا بأنها نجحت في تدجين العقول وتطويعها، وأنها نجحت في جعل أولويات المواطن البسيط مرهونة بين بطنه وأمنه حتى وإن كان أمنا زائفا… وإنها لمصيبة كبرى…
لا شك أن الشعوب الواعية هي التي تبني نهضتها وأن حسن اختيار من يحكمها هي أول خطوة على الطريق الصحيح. فصلاح الحاكم وانحيازه لشعبه ولوطنه هي الخطوة الثانية على طريق النهضة. أما الخطوة الثالثة فهي الوعي والصبر بل الاصطبار على المعوقات والمطبات والوقوف في وجه المؤامرات والدسائس والتضحية في سبيل النجاح لتحقيق الرقي والازدهار. وليست الطريق مفروشة بالأزهار ولا خالية من سهام الحقد واشواك الحسد وغرف التربص المظلمة التي تحاك فيها المؤامرات والدسائس لهذه الثورة وهذه التجربة الفريدة في عالم عربي يئن تحت وطأة الإستبداد وقيود الحكم المؤبد وحكام خارجين من القبر بكفالة يُسْلِمُونَ الروح لملك الموت ولا يسلّمون الكرسي لمن هو أجدر وأقدر وأحق منهم!!!
ومهما كان المشهد مكفهرا والغد بلا ملامح، فإننا لن نفقد الأمل في غد أفضل بإذن الله. وستنجح تونس في تخطي كل الصعاب وكسر كل الحواجز وستكون لجميع أبناءها مهما علت أصوات الناعقين الذين لم يعوا بعد أن الزمن لا يعود أبدا الى الوراء وأن الثورة ماضية في طريقها وستحقق أهدافها بإذن الله وأن من يريد تعطيل القطار الذي انطلق ذات 17 ديسمبر/14 جانفي، سيداس تحت عجلاته.
فتونس ستنتصر على أعداءها مهما اثخنوا جراحها وتآمروا عليها فلن تركع أبدا وستظل شامخة شموخ زيتونها ونخلها ومآذنها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *