حول تصريح الرئيس الذي استوجب التوضيح

 محاولة فهم يكتبها نورالدين الغيلوفي

الرئيس لم يقل اليهود.. قال (اليهو) وانتبه إلى نفسه فقطع الكلمة.. تركها مقطّعة وأجاب من كان يخاطبه من طاقمه المستحضَر بين يديه.. (مراوغة لتبديل وجهة الحديث).. وقد يكون هذا المخاطب هو الذي نبّه الرئيس وربما أرفق توجيهه الصوتي له بحركة مساعدة لم نرها…
لا أظنّه يقصد أنّ اليهود هم الذين يسرقون…
العبارة قالها في معنى شتم اللصوص.. وزادُهُ التعبيري لم يسعفه بغير عبارة تدارك نفسه فلم يتمّها…
اللافت هو أنّ الرئيس كان يتحصّن بالعربية الفصيحة التي تقتضي منه بعض التركيز فيتحرّى استقامة تكون له بالتفكير في ما يقوله قبل قوله.. ولمّا نزل إلى العامية سقط في ما تسقط فيه العامّة.. والعوامّ في بعض الأحيان قد يتشاتمون باستعمال المذاهب والأديان والأنساب في مختلِف الثقافات.. (( يا عربي.. يا عروبة.. يا يهودي.. يا خوانجي.. يا مسلم متطرّف.. يا وهْبي.. في فلسطين يقولون يا ابن اليهودية… ))
الرئيس لم يقصد اليهود ولكنّه أراد شتم اللصوص فعبّر كما يعبّر العوام.. قديما…
هو خطأ اتّصالي خطير استوجب أن تكتب الرئاسة توضيحا مطوَّلا لإنكار الأمر.. ولكن بعد فوات الأوان.. لقد ورّط الرئيس نفسه بسبب اندفاعه الشعبويّ غير المدروس.. كان يستعمل الضمائر يشير بها إلى خصومه ولكنّه في هذه المرّة أراد أن يخرج من الإضمار إلى الإظهار فكشف ما بقي تهافته…
خطأ الرئيس هذا يضاف إلى أخطائه الاتصالية الكثيرة.. الرجل مندفع لا سلطان لعقله على لسانه.. فهو لا يحسن تقدير الأمور.. ولا يفقه من السياسة شيئا.. ولو كان بين يديه زرّ نووّي ربما أوقعته بعض انفعالاته في أن يضغط عليه فيزلزل الأرض من تحتنا.. ليعود هو إلى الكوكب الذي جاء منه…
لو كان في مستوى المسؤولية لعلم أنّ الأديان لا ينبغي أن تكون عنوانا للتشاتم.. ولدرّب نفسه على ذلك مخافة الوقوع في السهو.. فهو الرئيس ومن واجبه أن يكون قدوة لشعبه في ثقافة التسامح مع المختلف وأن يساعد العوام على تعلّم احترام المختلف مهما كان.. ولكن لأنه لا يرى نفسه رئيسا لجميع التونسيين فإنّ اليهود خارج تفكيره.. وليسوا مواطنين لهم ما لغيرهم ولا ينبغي التسبب في أذاهم…
لو كان الرئيس يؤمن بثقافة المواطنة لما زلّ به لسانه هذه الزلّة.. شعبويتة جعلته يقع هذه الوقعة فيورّطه لسانه فيعتذر بمختلِف لغات الأرض التي يتكلّمها طاقم قصره…
لو كان ينتصح لنصحتُهُ بأن يصوم الدهرَ عن الكلام.. وأن يكتفي ببعض المراسم حتّى تنتهيَ عهدتُه.

محرز العماري

محرز العماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *