د.كوثر يونس تكتب عن المصالحة الخليجية : كيف استطاعت قطر استقراء الحاضر و استشراف المستقبل

تونس / خاص باليوم أنفو / د. كوثر يونس*

الصدارة في الأزمات تكليف ومسؤولية، وليس في الكوارث صدارة باختيار، بل هي إجبار الظرف حتى لا ينفرط العقد، عند اختلال الرؤى، وتباين مستويات التقدير، وضيق مساحات التحرك والتدبير .فكيف شقت  قطر طريقها ذات يونيو/ حزيران 2017  عندما أعلنت الدول الأربع، السعودية والبحرين ومصر والإمارات، مقاطعتها لقطر، ولأن الصورة تحددت أطرها ، والمآلات صارت واضحة مقروءة من غير التباس، فإن قطر  عكفت على استقراء حاضرا و استشراف مستقبلا و استثمار رصيدا قديما و حديثا من صناعة الإنسان جوهرا و ظاهرا  مضيئا ، من أجل تحديد سبل وطرق العمل على انفكاك الأزمة فتستسيغها بحكمة و ذكاء  لتكون إقلاعا لا هبوطا و نهوضا لا سقوطا , فحولت بذلك المحنة لمنحة عبر مبادرات صناعية وتجارية ومشاريع أمن غذائية ومالية و عسكرية.

فكيف لهذا البلد الصغير جغرافيا الكبير انسانيا أن يتحدى حصارا أحكمه عليه جيرانه وأن يخيب كل التوقعات التي أوهمت أصحابها أنه سيرضخ لا محالة و أن الجوع سينهش أمعاءه فيستجدي جلاديه.

و لأن الرياح جرت بما لم تشته السفن  فان قطر أقلع كمارد من تحت ركام و خرج من القمقم وسط حيرة و هلع جيرانه و لم يواصل فقط تحقيق طموحاته الاقتصادية الهائلة، بل حسّن سجله في مجال حقوق الإنسان ومكانته الجيوسياسية.

مع بدء مصر والسعودية والبحرين والإمارات الحصار البري والجوي والبحري على قطر في 5 جوان 2017، كان الهدف كسر شوكة الاقتصاد القطري وإجبار أمير البلاد على الاستسلام لمجموعة من المطالب؛ من أبرزها إغلاق قناة «الجزيرة»، و طرد الإخوان المسلمين و على رأسهم الشيخ القرضاوي بتحريض من الجانب المصري  إلى جانب قطع العلاقات مع إيران، لكن الإمارة الصغيرة -التي يبلغ عدد سكانها حوالي مليوني نسمة- رفضت بقيادة الشيخ «تميم بن حمد»، الامتثال لأي من المطالب، وظلت صامدة في وجه ضغوط ولي العهد السعودي، وحملته الرامية للهيمنة الإقليمية.

في بداية الأزمة -التي وصفها كثيرون بأنها الشرخ الأسوأ في العالم العربي منذ حرب الخليج- دب خوف في قطر؛ حيث تدفق القطريون على المتاجر خوفا من حدوث نقص في المواد الغذائية،و هذا أمر له مبرراته فقطر ليس بالبلد الفلاحي و لا الصناعي حيث أن أغلب احتياجاته الغذائية مستوردة و خاصة من الأخ الأكبر السعودية,  وبغلق  السعوديون الحدود تدهورت أحوال و تشتت أوصال عائلات حيث ساهمت دول الحصار في تشتيت شمل العائلات و تفريق أواصر القربى وقد حرمت الأسر القطرية من التواصل مع أقرانها في دول الحصار بسبب منع تلك الدول القطريين من الدخول لأراضيها ومنع مواطنيها من دخول قطر في  سابقة لم تحدث من قبل ففرق الحصار  بين ذوي القربى وحرم القطريون  من الحج و العمرة ,و خسرت تجارات و نفقت جمال و عمت غيمة من الخوف و الأحزان على سماء قطر .

و لكن أمام كل باب يغلق أبواب تفتح , أغلقت أبواب الجار و ابن العم و فتح الصديق الذي يبعد أميال و أميال أبوابه و ضخت المواد الغذائية من طهران و أنقرة في جسر جوي متواصل فك غربة قطر و بدد خوفها على شعبها أمنا و سلاما.

طرق تجارة جديدة

في الأسابيع الأولى بعد إعلان الحصار، انخفضت واردات قطر بنحو 40 في المائة مقارنة بنفس الفترة من العام الذي يسبق الحصار الا أن قطر استطاعت أن تتجاوز تداعيات الحصار الذي فرضه عليها جيرانها نتيجة الإجراءات السريعة التي اتخذتها الدولة من جهة، ودينامية القطاع الخاص المحلي الذي أظهر قدرة كبيرة على التعاطي مع حجم التحديات الكبرى و لم تمض أسابيع قليلة حتى أطلقت قطر سلسلة خطوات ومبادرات لإبطال مفعول الحصار وضمان تزود البلاد بكل احتياجاتها، سواء الاستهلاكية أو المتعلقة باستكمال المشاريع الكبرى، وفي مقدمتها مشاريع مونديال 2022.

وكان لميناء حمد الذي دشن في 5 أيلول 2017دور كبير في مواجهة هذا الحصار، إذ لم تعد بعده الدوحة بحاجة إلى موانئ وسيطة لتأمين احتياجاتها، بعد ربط ميناء حمد بموانئ إقليمية وعالمية، أما الخطوط القطرية فلا تزال تتبوأ المرتبة الأولى عالميا ومطار الدوحة المرتبة السادسة.

ولم تقف الدوحة عند هذا الحد، بل رفعت وتيرة الشراكات مع العديد من البلدان-في مقدمتها سلطنة عمان والكويت وتركيا وإيران وبلدان آسيوية أخرى- باعتبارها سلاحا في معركتها التجارية مع دول الحصار، ووصل حجم الاحتياطي النقدي القطري إلى 340 مليار دولار أميركي، كما بلغ حجم الاستثمارات في قطر أكثر من مائتي مليار دولار.

استعداد مسبق

كان ضرب الاقتصاد القطري، رغم كل ما يروج من شعارات سياسية وإعلامية وغيرها،هو الهدف الأساسي و الحقيقي من الحصار وما يقال عن معارك دبلوماسية وإعلامية هو مجرد غطاء لحرب اقتصادية، أرادت دول الحصار أن تشنها على قطر بهدف سحب الاستثمارات الأجنبية وخفض مستوى المعيشة وإضعاف القطاع البنكي والمصرفي ,لكن الاستعداد المسبق للحكومة التي كانت تتوقع أن يحدث الحصار منذ أزمة سحب السفراء عام 2014، أسهم بشكل كبير في إنقاذ الاقتصاد القطري ومنع انهياره.وبحسب آل إسحاق، فقد أسهمت علاقات قطر المتميزة خارج منظومة مجلس التعاون الخليجي في إجهاض الحصار، لاسيما العلاقة مع تركيا، التي أسهمت بشكل كبير في توفير السلع الغذائية خلال 36 ساعة فقط من بداية الحصار، كما قامت دول عربية كالجزائر والمغرب وتونس بدور مميز، حيث سارعت في إرسال مواد غذائية وبضائع دون حتى طلب من قطر. وشدد على أن دول الحصار كانت ترغب بشكل كبير في دفع قطر للارتماء في أحضان إيران، وهذا لم يحدث؛ مما شكل صدمة لدول الحصار، لافتا إلى أن الحكومة القطرية انفتحت على أسواق عدة كالصين وماليزيا وإندونيسيا لشراء بضائع بديلة، كما قامت بجهود كبيرة لدعم المنتجات الوطنية والاتجاه نحو الاكتفاء الذاتي في كثير من السلع.

أن أداء الاقتصاد القطري بعد الحصار تميز بأنه كان فاعلا غير منفعل، وسريعا وغير متسرع، واستراتيجيا وليس تكتيكيا، ويمكن القول إن الحكومة القطرية اعتمدت استراتيجية تحويل الأزمة إلى فرصة، في المقابل كانت الإمارات أكبر خاسر اقتصادي من الحصار؛ فقد فقدت عدة شركات إماراتية السوق القطري، لاسيما (الخليج للسكر، وداماك، وأرب تيك)، كما تضررت منطقة جبل علي جراء الحصار الذي خسر خلال هذا العام %15 من حجم الاستثمارات الأجنبية.

الغزو العسكري خيط من دخان

في بداية الأزمة، تزايدت المخاوف من غزو عسكري، تقوده السعودية، ضد قطر، رغم أن هذا الأمر كان يبدو غير محتمل في ظل احتضان الدوحة لأكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط (قاعدة العديد). ومع ذلك اختارت الدوحة حليفا جديدا فتدفق الدعم العسكري من تركيا، التي أرسلت دفعات من القوات في زمن قياسي أربك صناع الحصار وقلب موازين القوى وتبدد شبح الغزو العسكري كخيط من دخان.

تعزيز حقوق الإنسان

لطالما كانت قطر مركزا للانتقادات من منظمات حقوقية دولية؛ بسبب نظام الكفيل  -السياسة التي تنظم عملية استقدام العمالة الأجنبية- الذي وصف بأنه شكل من أشكال العبودية المعاصرة.ولطالما ناشد ناشطون حقوقيون بمقاطعة مونديال قطر 2022؛ بسبب ما قالوا إنها ظروف عمل سيئة تطال الأجانب المشاركين في بناء البنية التحتية لهذا الحدث العالمي ،كما أن بعض القطريين كانوا يشتكون من حكم ملكي مطلق وحريات مدنية محدودة، لكن من المقرر الآن أن يصوت كل من الرجال والنساء في أول انتخابات برلمانية حرة عام 2019. وأشادت منظمة «هيومن رايتسووتش» بقطر في تقريرها العالمي لعام 2018 بعنوان « قطر: الأزمة حفّزت إصلاحات حقوقية».

وقال التقرير إن قطر أعلنت عن مجموعة إصلاحات حقوقية هامة خلال 2017، وإن نُفذت هذه الإصلاحات، ستكون بمثابة أكثر المعايير الحقوقية تقدما في منطقة الخليج.وتشمل الإصلاحات تشريعات من شأنها أن تُحسّن بشكل كبير معايير عمل العمال الوافدين، بما في ذلك قانون خاص بعاملات المنازل، ومشروع قانون صادقت عليه الحكومة يرمي إلى منح الإقامة الدائمة للأطفال المولودين لأمهات قطريات من آباء أجانب، وأيضا لبعض المقيمين الأجانب في البلاد.

قناة الجزيرة و القوة الناعمة

لقد تميز الاعلام القطري بل تفرد على إعلام جيرانه بالرأي و الرأي الأخر مما أدى الى زيادة في رصيد قطر الاعلامي وكان سر نجاح قطر ودليلا على قدرة  الدولة القطرية على استثمار قوتها بشكل جيد، و المتابع لأحول الناس في الضفتين يلاحظ بلا أدنى تخبط أو مغالطة مدى حرص القطريين على عدم الدخول في مهاترات الخوض في الأعراض و مدى تمسكهم بالقيم العربية حتى في زمن الحرب و العدوان، فلم نقرأ لناشط أو مدون قطري أنه خاض في أعراض إخوانهم من دول الحصار على عكس دول الحصار التي جيشت جيوشا و جحافل إعلامية استماتت في الهتك و النبش و التهكم على أعراض الناس.

المصالحة الخليجية: من الغالب ومن المغلوب؟

إن المصالحة، بين قطر وجيرانها الخليجيين، بعد ما يقارب الأربع سنوات من المقاطعة، أو الحصار كما تسميه قطر، يطرح أسئلة كثيرة أهمها، ما الذي حققته الدول المقاطعة لقطر بعد هذه المقاطعة الطويلة؟ وهل تمثل المصالحة انتصارا لقطر؟أم أنه  أمام دماء الاخوة المتدفقة لا غالب و لا مغلوب ؟

مثل الاتفاق على فتح الأجواء، والحدود البرية والبحرية بين قطر والسعوديّة، المغلقة منذ اندلاع الأزمة الخليجية في الخامس من حزيران/ يونيو 2017، أول خطوة في طريق إنهاء الأزمة الخليجية، ويبدو من خلال كل التقارير المنشورة حتى الآن، أن الرياض أو أي من الدول المقاطعة لقطر، لم تتشبث بمطالبها الثلاثة عشر، التي طرحتها منذ بداية الأزمة، كشرط لإنهاء مقاطعتها للدوحة، ومنها إغلاق قناة الجزيرة، وتخفيف العلاقة مع إيران، وقطع علاقاتها مع الحركات الإسلامية، خاصة الإخوان المسلمين.

ووفقا لمعظم التقارير، فإن قطر لم تقدم سوى تنازل واحد حتى الآن، وهو تنازلها عن الدعاوى القضائية، التي كانت قد أقامتها ضد دول المقاطعة، بتهم التمييز ضدها، وهو ما كان الشرط الوحيد، مقابل فتح الحدود معها.

ولكن بعد ثلاث سنوات، وجدت قطر ودول الجبهة المناوئة لها أنفسها على طاولة واحدة في القمة الخليجية الـ41، ولكن بإجراءات ثقة مختلفة .إن عجلة المصالحة، بدأت بالفعل بالدوران، وبطبيعة الحال سوف تلتحق دول أخرى بالسعودية في مراحل لاحقة.

ختاما

ثلاث سنوات من الحصار و تزيد نهض من نهض و سقط من سقط، لو كان الخير فيما سواها ، لهيأ الله لها من الأسباب ما يجعلها أهلا لمراده الذي لا يعلمه سواه . وإنما هو التخبط نتيجة استشراف قائم على افتراض مالا وجود له، وما ليس بممكن أو متاح.  ولو صدق المستدرك للان في يد مخالفه ، وكف يده ، وأعان بقوة ، ولو فقه لأدرك أن اتفاقا على مفضول خير من اختلاف على فاضل . لو تجرد الجميع لتنحى كل فريق ، وتنزه عن الصدارة لمشهد كانوا فيما يظنونه فشلا شركاء ، فاستشرافها ممن يزعم الأصوب فيه دخن ، ولا يخلو من حظ نفس … فليتق الله ربه ولا يسلمها لمزيد تفتيت ، فالبيت الآيل للسقوط في خرابة ليس حقه الهدم ، ولكنه الترميم ، حتى يجف المستنقع ، وتصلب أرضه فيهدم المتداعي ويبنى من جديد .

*طبيبة و كاتبة تونسية

محرز العماري

محرز العماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *