رسالة إلى رئيس الحكومة و رئيس مجلس نواب الشعب

يكتبها نورالدين الغيلوفي

1. أنتما مسؤولان عن مصير البلاد.. وتعرفان جيّدا أنّ المسؤوليّة ثقيلة وأنّ المنغّصات لن تزولَ من الطريق.. بل ستتكاثر حتّى تُدخل الجميع إلى المقابر…
2. ..ليس من السهل أن تقوم ثورة شعبيّة في دولة تابعة مثل دولتنا أسلمها المحتلّ الأجبنيّ إلى عمّاله ليديروها وفق إرادته منذ عقود طويلة.. وكوننا نجونا باستحقاق الحرّية، بفضل ثورة شعبنا، وخرجنا من إذلال الحكّام يُعَدّ في حدّ ذاته إنجازا لأنّ الظلم الاجتماعي واختلال الموازين و انتشار الفقر وتعطيل المرافق تلك لا تكون إلّا تحت ظلّ الدكتاتورية.. لذلك يراد لنا العودة إليها لتسهل على الدوائر المتنفّذة إدارتنا خارج إرادتنا.. كلّ الذي يجري في بلادنا عاديّ في مراحل الانتقال إلى الديمقراطيّة.. والحرية التي حظيَ بها شعبنا بفضل الثورة ليست أمرا هيّنا رغم إلحاح بقايا العبيد على الاستهانة بها.. ولكنّ الحرية لها استتباعاتها.. وتحقيق العدالة الاجتماعية وصون كرامة المواطنين من استتباعات الحرية اللازمة.
3. من يتصدّى للشأن العام ويتطوّع لخدمة الناس عليه أن يكون في مستوى المهمّة.. يؤدّيها على أحسن وجه بعيدا عن العجز والفشل.. ومن لا يحسن أداء المهمّة فلا يستحقّ أن يتصدّر المشهد.. لم يعد مسموحا لمسؤول أن يخطئ.. والفشل في الإنجاز سيّد الأخطاء.
4. الرئيس بات خارج المعادلة لأنّه اختار أن يكون عبئا على المسار وخطرًا على الوحدة الوطنيّة والسلم الأهليّ.. تونس لم تعرف في تاريخها المعاصر حربا أهلية.. ولكنّ قيّس سعيّد يجرّها إليها جرًّا.. لأنّه من ذلك الصنف الذي لا يستطيع إثبات نفسه إلّا بنفي غيره وإلغاء مخالفيه.. ولن يتحرّك إلّا على جثث الذين يحسبهم أعداء لمشروعه يحولون دونه…
5. ولو كان باستطاعته أن يفعل شيئا لسحق كلّ الواقفين في طريقه.. ولكنّه جنرال بلا جيش ومدفع بلا ذخيرة.. لا سلاح لديه وليس له من استثمار إلّا في بعض المحبَطين من الثورة الذين يئسوا من السياسة ومن السياسيّين وحقّ لهم أن ييأسوا لأنّهم يرون البلاد تنحدر إلى الهاوية في ظلّ أزمة اقتصادية خانقة زادتها الجائحة حدّة.. والسياسيون إزاء كلّ ذلك بين مُسهم في الأزمة وعاجز عن وضع الحلول لها…
6. الرئيس يكتفي بمراقبة الأزمة.. بل يعمل على مزيد تعقيدها حتّى تكون حجّة له ضدّ السياسيّين الذين لا يفوّت فرصة ليحمّلهم المسؤوليّة ويدعوَهم إلى الرحيل لأنّهم لا يملكون الحلّ السحريّ الذي يختصّ به ويخفيه في موضع لا يعلمه من الناس أحد.. ولقد مرّ إلى زرع الفوضى في أوصال البلد من خلال خطابه الحربيّ التحريضيّ في كلّ مناسبة يظهر فيها…
7. الشباب المعطّل المفقَّر ضاقت به السبل وطال عليه الانتظار وانقطع عنه الأمل واشتدّ به الحنق على الذين ظلموه بالتقصير في حقّه وقتل أمله في حياة كريمة يستحقّ بها مقام المواطَنة.. حتّى صار أشبه بقنبلة موقوتة يراهن الرئيس على تفجيرها في وجه اللحظة بأسرها عسى أن يكون لهم معه أمل أو يستطيع لهم ما عجز عنه الآخرون.. وذلك ممكن لأنّ الذي يجوع لا يلام على إشهار سيفه في وجوه الجميع وأوّل الجميع هم أهل السلطة.. ولا سيف لدى هؤلاء سوى الرئيس الذي يتباكى عليهم ويشكوهم القيود التي تمنعه من مدّ يد العون إليهم…
8. الرئيس لم يتقدّم إلى حدّ الآن بمبادرة تشريعية واحدة لأجل الشعب يُنفذها أو يقيم الحجّة على خصومه بسبب تعطيلها.. لأنّه يرى أنّ “مشروعه” حزمة واحدة لا يتحقّق منه شيء إلّا بإسقاط النظام السياسيّ الذي يعطّله.. ولأنّه لا يريد المرور بمشاريعه المعطَّلة عبر البرلمان الذي لا يعترف به، وهو المبدئيُّ جدّا الذي لا يريد مناقضة نفسه.. ولمّا كان عاجزا عن فعل شيء أمام تبخّر “أنصاره” الذين يمكن أن يحاصروا البرلمان لأجله فقد رضي بأن يجلس في الطريق حتى يقطع عليكم كلّ حركة…
وإذن فلا حلّ لكم إلّا بخطوات جادّة مدروسة تكون بـــــــــ:
أ‌. إعلان الحرب على الفساد والفاسدين واتخاذ إجراءات موجعة بشأنهم وحدهم دون غيرهم.. لأنّ الإجراءات الموجعة التي تتّبعها الحكومات من زمن بعيد لا تصيب بإيجاعها سوى الشعب المقهور.. ويسمّونها إصلاحات.. أمّا القطط السمان فلا موجِعَ لهم لأنّ سلطان المال يحميهم.. وإنّه لن يكون لكم من الشعب ظهير يحميكم إلّا إذا تحرّكتم باتّجاه حرب شاملة على الفساد والفاسدين تشريعا وتنفيذا بعيدا عن شعارات الذين سبقوكم إلى العناوين دون أن يشتغلوا على المتون.. الدولة تملك المعلومة وتعرف الفاسدين بأسمائهم وعناوينهم وحساباتهم.. وما عليها إلّا أن تطبّق القانون فيهم.. لا غير.. وحاكم يعجز عن تطبيق القانون لا يستحقّ أن يكون حاكما.. ومن حقّ الشعب أن يثور عليه كما ثار على الذين من قبله…
ب‌. إمهال الممتنعين عن دفع الضرائب مدّة زمنيّة محدودة ليدفعوا للدولة ما عليهم في كنف القانون الذي يحفظ الحقوق ويحمل على أداء الواجبات دون ميزٍ.. أو المرور إلى استعمال مشروعية الدولة لاسترداد حقوقها من المتهرّبين.
ت‌. التعاون مع السلط البلدية المحليّة، عاجلا غير آجل، لتصنيف المواطنين ذوي الحقوق المضيَّعة لإنصافهم.. والمعطَّلين لإيجاد الحلول لهم.. وتلك مهمّة الدولة بمختلِف مستوياتها ومؤسّساتها.. ما يأخذه الفاسدون بدون وجه حقّ كفيل بأن يحلّ مشاكل المفقَّرين والمعطَّلين.
ث‌. الخروج من حالة الاستضعاف التي تعيشها مؤسّسات الدولة أمام النقابات المعربدة في مختلِف القطاعات بلا استثناء دون تهديد للحقّ النقابيّ.. وجرّ قيادة الاتحاد التنفيذيّة إلى إصلاح أمرها وتصحيح مسارها ودفع ما عليها.. ومساعدتها على معرفة الفاسدين من النقابيين في مختلف القطاعات بمختلف الجهات.. الفساد عام وشامل قد أصاب الإدارات والنقابات على حدّ سواء.. والسكوت عن النقابيين الفاسدين لا يختلف في ضرره عن التغافل عن غيرهم من الفاسدين.
ج‌. العمل على تطبيق القانون على الجميع حتّى ينخرط الناس في العمل لأجل الإنتاج ووضع حدّ للإضرابات العشوائيّة التي لا تعدو تقاعسا عن العمل وتعطيلا للإنتاج وتخريبًا للدولة.. ويكون ذلك بالاستجابة لمطالب الناس المشروعة تحفيزا لهم على الانخراط في ورشة العمل الوطنيّ الكبرى التي بشّرت بها الثورة وتبنّتها الدولة.
ح‌. بمثل هذا الإجراءات تجد الدولة سندا من الشعب ويستردّ المقهورون معنى انتمائهم إلى الوطن الذي استرجعوه مع الثورة وفقدوه مع سنوات الخذلان العشر…
بدون ذلك سيجد قيّس سعيّد وجميع المغامرين حجّة عليكم وسيكون له، ما عجزتم، صوت مسموع ليزيد من تسميم الأجواء وتلويث المناخ وتعقيد الأوضاع وقطع الطريق عليكم.. وإدخال البلاد في المجهول.
ألا هلّ بلّغت.. اللهمّ فاشهد

محرز العماري

محرز العماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *