كرة الثلج

أجمعت كل النّشرات الجويّة المحليّة على أنّ الثلج قادم إلى مدينة الكاف، ذلك الرسّام الذي لا يرسم إلاّ بالأبيض.. فرح طفل السّابعة فِراس فرحا جمّا وخطّط لغده كيف سيقضيه في مدينته وهي في حلّتها البيضاء البديعة وكيف سيعلب بكرات الثّلج مع رفاقه.. – ماما.. ماما، زعمة تتغشّش رزان كي نضربها بالثّلج؟ وقبل أن تجيبه ماما، نام فراس مبتسما وواصل الحلم في الحلم.. لم تغضب رزان بل خبّأت له قبلة بريئة في كرة ثلج عابرة.. ولكنّ القبلة أخظأته عندما وقعت على خدّ رفيقه.. غضب فراس وأفاق مذعورا على صوت أخيه يعلمه بأنّ الثلج أخلف الموعد.. بكى فراس بحرقة وغضب شديدين.. – نحبّ الثّلج توا! قال إنّه لن يذهب إلى المدرسة دون حلم ليلة كاملة.. – اصّبح ها الصباح واستغغر ربّك! قالت أمّه.. – استغفر اللّه (باكيا).. نحبّ نعرف علاش رزان ما تعرفش تڤمّر (غاضبا).. بحثت عن فراس ابن أختي فيّ فوجدته غاضبا على رزانه هو الآخر، ربّما تكون قد أخطأت كرة الثّلج هي الأخرى.. وصل النّادل أخيرا بقهوتي العربيّة الوجلة، وضعها أمامي ثمّ سألني متعجّبا: – شكون فراس؟ فاجأني سؤاله فعدّلت من جلستي ومن عقلي ومن حنيني لصاحبة العيون العربيّة العسليّة في غيابها المضني وأجبته: – فراس ولد أختي، يحبّ الثّلج.. فقال: – أنا أيضا أحبّ الثّلج ولكنّ فراس كان هنا.. رأيته يحضنك بحرارة ويضمّك إليه ويقول لك: – لا تحزن يا خالي، غدا ينزل الثّلج.. على جهاز التّلفاز رأيت قناة الجزيرة «تُخشقج» وليّ العهد السعوديّ وهو من أصدر أمر نشر الصحفي جمال الخاشقجي في قنصليّة بلاده باسطنبول قبل مائة يوم بمنشار الغدر والخديعة.. فرانس 24 في باقي المقاهي تتحدّث عن السّترات الصّفراء في علاقتها بوضع فرنسا الإقتصاديّ وغضب الفرنسيّين من سياسة ماكرون.. أما أنا فأرى الماكرين من محتليّ الأمس لبلادنا والذين لا يزالون يسرقون خيراتها إلى اليوم يسقطون في شرّ أعمالهم بعد أن بعثر أوراقه شرارة ربيعنا العربيّ.. على صفحات الفايسبوك لا حديث إلاّ على الأربعين ألف قوّاد تونسيّ باعوا أحرار البلاد بملتليم لا تغني من جوع للسفّاح الهارب بن علي.. القوّاد هو الواشي ولكنّه الطحّان في الشّقيقة المغرب مثلا.. والطحّان عندهم هو كما في المعجم العربيّ.. أنا أعرف قوّادا منهم.. إنّه صاحب نظريّة أنفاق حماس التي تربط غزّة بجبل الشعانبي عندنا.. من نافذة المقهى، أرى الآن حبّات الثّلج ترقص في أفق المدينة وتكسوها شيئا فشيئا بحلّة بيضاء ناصعة كأنّها الطّهارة، كأنّها السّلام.. غذا يستفيق فراس على حلم… …

محرز العماري

محرز العماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *