كلمة و قص .. الاعدام بين القبول والرفض

تكتبها : درصاف المهري 
“وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ” صدق الله الرؤوف الرحيم اللطيف الخبير بعباده…
اكيد لست في موضع فتوى حيث ينقصني الإلمام بأصول الشريعة الرحبة المتشعبة الدقيقة و العادلة…اما بعد.. الإعدام…انهاء حياة بشرية…ازهاق روح..لطالما نؤيد كمجتمع الحكم بالاعدام على من اقترفوا جرائم عظمى تمس الذات البشرية كقتل نفس متعمدا و التنكيل بجثته او اغتصاب قاصر وانتهاك حرمته الجسدية فقط لانّ لا قوة جسدية تمكّنه من الدفاع عن نفسه او تعذيب شخص حتى الموت وما الا ذلك..
واحيانا يؤيد المجتمع الاعدام بشدة ويطالب ان يكون بوحشية وقد يصل لرفع الشعارات في الشوارع مطالبة بذلك طالما نظر المؤيدون من جهة المفعول به كأن يضع نفسه مكان المغتَصَب او احد اولياء المقتول او احد فروعه…لكن يختلف الأمر و الرأي لو تغيّرت زاوية الحكم حيث يقف الناظرون للإعدام من الجهة المقابلة في الطرف الاخر ألا وهي جهة الفاعل..كأن يكون لهم مسجون او فارٌّ من العدالة موجّهَة له تهمة تندرج في قائمة الاحكام الموجبة للإعدام..فتجده رافضا له وبشدة و يطالب بإيقاف تنفيذه وهذا من حقه كما هو من حق الشق الاول المطالبة بالتنفيذ لتتحقق العدالة ويهنأ حسب اعتقاده …ويطالبون العدالة ان تعدِل عن القتل بإذن الله و تسليط اقصى العقوبات المعمول بها عليه شريطة ان لا تطال سقف الإعدام و إلغاء الوجود …و في موضوع كهذا لا يمكن ان يكون هناك إجماع على موقف رسمي يمكن اعتماده في هذا المجال لانه امام القاضي على البمين طرف مظلوم وجبت له العدالة بالقصاص و على اليسار طرف فاعل وجب اخضاعه لعقوبة الجرم المقترف ..
كل هذا على اعتبار التثبت و تأكيد إدانتن بالدليل والحجة والاعتراف منه دون ضغط او تهديد او تعذيب ..وهذا ما يستحيل التأكد منه الا نادرا نظرا لإمكانية التزوير والادلاء بأدلة مغلوطة رغم قانونيتها وأداء يمين الشهود زورا وبهتانا مما يأثّر حتما على قرار المحكمة الذي قد ينصف و قد يظلم ..ونحن امام الحديث عن نفس و روح وكائن حي لا يستقيم الحكم بإعدامها من الوجود بسهولة الدلائل التي قد تكون صحيحة بنسبة 99.999% ولكن ال 0.001% يمنعنا من اصدار حكم بالاعدام لاحتمال ورود دليل واحد ولو ضعيف على التخفيف من العقوبة لتنزل درجة الحبس المؤبد او.ما ترتئيه المحكمة…و نذكر انه في السنين الخوالي البعيدة كانت عقوبة اعدام نفس بشرية عقوبة قصوى قبل ان تبنى السجون التي بالامكان اعدام الشخص بها معنويا و معاشيا وعزله عن العالم مع الابقاء على حياته إن ابقاها له الله خالقها وقابضها…و حتى في ظل تواجد السجون أُبقي على عقوبة الالغاء من الحياة كأقصى عقوبة “ردعية” و أنقلها كما وردت بقوانينهم وانا مستغربة من سيردعون وأين سيتم ذلك..هل في القبر سيستوي سلوكه؟ وينص قانونهم على لفظ «وعدم العود» هل نفهم من هذا ان القاضي يحكم بالإعدام فقط على فرضية تكرار الجربمة في المستقبل للجاني التي قد تأتي وقد لا تأتي و ليست عقوبة على الجرم المُقْترف بحد ذاته؟؟ سأتطرق لمثال بسيط ..
هل يطيق احدنا الحبسة في مكان واحد مع نفس الاشخاص الغير مرغوب بهم وفي نفس الظروف المقرفة مدة تتجاوز بعض الاسابيع وراء باب محكم الإغلاق في عزلة تامة عن الخارج؟ طبعا لا..فبعد اشهر قليلة سيحتاج طبيبا نفسيا وقد يصاب بكل الامراض النفسية التي تفتك بعقله وجسده ..
اردت القول ان عقوبة السجن مدى الحياة قد تكون كافية لتقتل النفس تدريجيا وتقتل مميزات الحياة من زواج و إنجاب و عمل و زيارات و تنقل و افراح و مواكبة ماذا يحدث فوق الارض الخارجية لقبر الحياة التي دفن فيها في السجن شريطة ان يكون الناس سواسية امام القانون لاىفرق بين غني وفقير لا سلطان ولا جارية لا مدير ولا حاجب..و ديننا الحنيف بالمسلمين رؤوف رحيم فجعل الله القصاص في القتل و جعل الخيار في الدّية او الكفّارة و العفو والاصلاح من ولي المقتول ك ظرف تخفيف على القاتل و المقتول له..فلا اتخيل ان من قتل له قتيل و حوكم القاتل بالاعدام ونفذ فيه سيسعد او سيعود له ميّته بمجرد ازهاق روح اخرى..
وقد يدخل الولي في متاهات اخرى من قبيل تأنيب الضمير و الندم على عدم الاستجابة لطلب اللله بالصفح و قبول “التعويض”الدنيوي في انتظار ما وعده الحق الذي لا يخلف الميعاد يوم الفصل كأن يزيل عنه كل سيئاته ولو كانت مثل زبد البحر وهذا برحمة من الله..واختم قولي هذا بكلام الحي الذي لا يموت واهب الحياة « وإذا أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ستقدمون» .و قوله تعالى « من قتل نفسا بغير حق كمن قتل الناس جميعا ومن أحياها كمن أحيى الناس جميعا» قال احدهم و هو يهودي الديانة « أحبُّ إليّ أن أعفوَ على ألف مذنب على أن أعدم بريئا واحدا»
اللهم لا تضعنا في هذا الموقف ابدا لا فاعلين ولا مفعول لهم ولا حاكما بينهم والقانون يستوجب فيه الاعدام..و الطف بنا و اهدنا وارشدنا لما فيه خير ….
والإسلام سلامٌ سلِم من عرفه حقًّا و هلك من سلّم بمعاداته..سلمتم جميعا.

محرز العماري

محرز العماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *