لماذا خسرت النهضة الانتخابات الرئاسية ؟

بقلم الاستاذ الجامعي و الوزير الاسبق مهدي المبروك

 

يبدو السلوك الانتخابي من أعسر الظواهر تحليلا خصوصا في بلد لم يراكم تجربة حرة للانتخابات و لم ينجز من بحوث الظاهرة الانتخابية الا قليلا . و لذلك سأسعى الى اغفال متعمد لسوك الناخب مركزا، على خلاف ذلك، على آداء الأحزاب و صورتها وهي تتقدم الى الانتخابات، اذ يميل العديد من الخبراء و المختصين في السلوك الانتخابي الى اعتبار تلك العوامل حاسمة في القرار الانتخابي و اذ اغفلنا عمدا كما ذكرت الناخب و السياق العام فهو اغفال بيداغوجي تجنبا لتعويم التحليل الذي يكرر خرفا بان هناك ” عوامل سياسية و ثقافية و اقتصادية و استراتيجية” أدت ال تلك النتيجة الانتخابية ” .. هذا التفسير على شموليته يعوم القرار الانتخابي ولا يقدم مفاتيح لفهمه .
تركيزي على الفاعل السياسي و غض الطرف ولو مؤقتا عن سلوك الناخب مهم في هذه اللحظة التاريخية الحرجة التي يمر بها البلد وهو تركيز مقصود علنا نساهم مع غيرنا في إعادة ثقافة النقد و تحمل المسؤولية اذ لا شك لدي أن النتيجة التي أباحث بها صناديق الاقتراع تتحملها الأحزاب ( حكما و معارضة) و النخب السياسية عموما.
لقد كانت النتيجة مخيبة للنهضة ( و لغيرها ) حتى و ان قدمت تبريرات أحيانا ساذجة تابعتها على عديد صفحات قيادات الصف الأول من الحركة دون الاشارة طبعا الى ما ينشره ا مناصريها على صفحات التواصل الاجتماعي وهي عموما مندرجة في خطاب يسعى الى التخفيف من وطأة الزلزال الحاصل على البلد و عليها.
فكيف نفهم الخسارة التي منيت بها النهضة من خلال عدم مرور مرشحها الاستاذ عبد الفتاح مورو الى الدور الثاني ؟ عن هذا السؤال سأقدم جملة من العوامل التي في اعتقادي كانت حاسمة في علاقة طبعا بالعوامل الداخلية المرتبطة بالنهضة كما اشرت في بداية المقال.
– منذ سنة 2014 ظلت منزلة النهضة في الحكم منزلة غامضة حيث بعد تجارب من المشاركة التي تراوح حجم تمثيليتها في الحكم لا يفهم الناس ان كانت النهضة تحكم ام لا تحكم و الأكيد ان هذا الحضور الملتبس الذي طال أدى الى الملل من النهضة التي تحكم حتى و ان لم تحكم من خلال حضورها المكثف في دوائر الحكم ( الوزراء بالحكومة، الكتلة الأكبر في السنة الأخيرة من عمر مجلس النواب …) . لقد حصلت قناعة راسخة لدى فئات واسعة ان النهضة تحكم لذلك فان العقاب شملها و لم يستثنها من ذلك .صعود مورو في الأسابيع الأخيرة الى رئاسة مجلس النواب زاد هذه القناعة رسوخا و لن اشير الى ما يعتبره العديد من الشباب المحتج و غير المنتظم حزبيا ان النهضة تنكرت الى اشواقه و تطلعاته في العدل و الحرية و العدالة وهي التي قبلت بالمصالحة و الاقتراب من النظام القديم و مدته بطوق النجاة في أكثر من مرة . فاذا كان اليسار هو الذي اعترف بشرعية ميلاد النداء فان النهضة هي التي رعته و أرضعته .قطعت النهضة مع مخيم الثائرين و المحتجين و لم تفلح في تحقيق اختراق واسع في المخيم المقابل : اذ ظلت عندهم غير حداثية ، تقليدية بل مخيفة و راينا هذا في الخطاب الذي وصل الابتزاز في مناسبات عديدة و اثناء الحملة الانتخابية حتى لو كان ذلك من باب الدعاية العارضة . .. لم يكون بالإمكان ان تعود النهضة الى مخيم الثائرين حين استنجدت في الايام الأخيرة بمعجم الثورة … لقد فات الأوان ..
– لم تنجز الحركة رؤية استراتيجية تخوض بها الحملة الانتخابية و ظلت مترددة خصوصا وانها الى حد السنة لفارطة قد راهنت على الشاهد وعملت على إنجاح هذا السيناريو وضحت بعلاقتها بالمرحوم الباجي حين استماتت في الدفاع عنه على أمل ان يعبرا انتخابات 2019 معا … لم يقنع هذا التوجه الجميع بل وظل بدوره محل خلاف غير انه تم فرضه و المرور بها كأمر واقع … ثم تبعته رحلة البحث عن العصفور النادر الذي ذبذب على النهضة و على أنصارها البوصلة حتى يتم لاحقا التخلي عن هذه المبادرة حين تم “”التفطن الى الأستاذ مورو و كان ذلك مما عكر المزاج الداخلي … لم يكون مورو الا بضاعة مستهلكة وممجوجة أحيانا من خلال حضوره الإعلامي الروتيني الذي تغلب عليه كليشيهيات “الدعابة ” في حين كان الناس يبحثون عن جديد حتى ولو كان” غريبا” ( قيس سعيد الغامض و القروي المريب الملتبس …) لم تتفطن النهضة الى رغبة جامحة في رؤية عرض انتخابي جديد ووجوه جديدة حتى ولو كانت مغامرة . مزاج شبابي خصوصا يبحث عن القصووي …
– كانت قراءة النهضة لانتصارها في الانتخابات البلدية 2018 قراءة كسولة وهي التي تعامت غرورا عن نصف الدرس أي تنامي ظاهرة المستقلين و تنامي نزوع المزاج الانتخابي الى البحث عن ممثلين غير منتمين الى “النومونكلاتورا الحزبية” . كان لك إنذارا مبكرا تم كتم صوته و طمسه تحت قراءة سعيدة مكتفية بذاتها , لقد عمق ذلك كسل النهضة الفكري و السياسي غفل الحس الاستراتيجي للنهضة عن هذه النزوات الانتخابية المتنامية ولم ينتيه الى ان تحت الأرض الصلبة زلزال قادم … نمى في احشاء انتصار المحليات 2018 خسارة . 2019
— في الأشهر الأخيرة طفت على السطح صراعات داخلية تجاوزت السقف المألوف لحركة طالما كانت تتغنى بوحدة الصف و الانضباط الحزبي و صلابة المؤسسات . لم تكتف تلك الخلافات بما سال في مواقع التواصل الاجتماعية بين اخوة المحنة بل وصل صداه الى وسال الاعلام ولم يكتف هذه الصراع بشقوق الداخل و الخارج ، السجن و المنفى ، الدعوي بالسياسي ، بل استهدف هذه المرة من كان يعد دوما ضامن وحدتها و رمزها وهو الشيخ راشد الغنوشي التي توجهت اليه سهام النقد فيما يتعلق بمسالة الانتخابات الداخلية ل لممثلي الحركة في الانتخابات التشريعية ( خلاف القائمات ) . كان ذلك الخلاف في اعتقادي مربكا وكانت له تداعيات خطيرة على تماسك الحركة و تعبئتها في الحملة الانتخابية التي يبدو انها لم تفلح في جمع ممكنات الحركة النفسية ثمة نوع من التحلل النفسي و فقدان الحماسة الكافية للتعبئة .انتشر بشكل مفزع شعور ان هناك جهات تجير لصالحها الانتصار الانتخابي لو حصل.
– كان ترشيح حركة النهضة لشخص من داخلها في اعتقادي مجازفة غير مأمونة العواقب و يبدو ان الضغط التنظيمي الداخلي دفع بهذا الخيار لم يكن الامر في اعتقادي خيارا سياسيا بل خيارا تنظيميا ( راب الصدع:/ وحدة الحركة) فلم تستطع الحملة الانتخابية للأستاذ مورو أن تقنع “”التنظيم بضخ ما تمتلك من مصادر و ذخيرة و موارد بل واجهت الحملة الكثير من العراقيل الناجمة أصلا عن التباين الحاصل ما بين التنظيم و الماكينة و القواعد … لا شك ان هيكل الانتخابات لم يكن في انسجام مع الحملة الانتخابية للأستاذ مورو. كما ظل الراي العام يسال ان كانت النهضة فعلا جادة في ترشيح الاستاذ مورو ام الامر مجرد مناورة سياسية كبرى ورغم الحهد المبذول في الاجابة عن هذا السؤال فان الاجابة لم تكن مقنعة لاوساط عديدة حتى من داخل النهضة ..
– كان خطاب الشيخ مورو” فولكلوريا” وعضيا لم يفلح في جلب الانتباه بعيدا عن قاموس الشباب و مفرداته و استعاراته كما ان آداؤه في المناظرة كان مخيبا للعديد من المتابعين .. بقطع النظر ان كانت للمناظرة قد اثرت في توجيه سلوك الناخبين . كما كان شباب النهضة الرقم الهزيل في المعادلة الجديدة وهو الذي تحول الى”شباب حزب حاكم” مخالبه من مخمل . حرمت الحملة الانتخابية من ممارسات تعبوية شبابية حية تبتكر و تبدع و ظلت الحملة متوسلة على ماكينة ثقيلة براغيها أحيانا معطبة اصابها صدأ بغيض.
لهذه الأسباب الداخلية الخاصة بحركة النهضة كانت النتيجة خروج مرشحها الأستاذ مورو من الدور الأول .
و لا يعني ذلك انا اهملنا عدة عوامل اخرة تعلق بالناخب و السياق و لكن فضلنا عمدا تأجيل ذلك لمقالات لاحقة.

محرز العماري

محرز العماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *