لماذا يكره “الحداثيون” التونسيون تركيا وقطر؟

بقلم : عادل بن عبد الله
( عربي 21 )
 للوقوف على مدى انتشار “مشاعر” الكراهية ضد قطر وتركيا، هذه “المشاعر” التي تخفي منظومة كاملة من المصالح المادية والرمزية المترسبة من عهد المخلوع، قد لا نكون في حاجة إلى دراسات إحصائية علمية. فقد يكفي أن ننظر في كل مجالات تدخل النخب “الحداثية”، ثم نقوم بعد ذلك باستقراءات عفوية للثوابت البنيوية في خطابات/ مواقف تلك النخب؛ بوصفها “مراجع” للمعنى السياسي أو الإعلامي أو النقابي أو المدني أو الثقافي، وغير ذلك.

تاريخ قديم
منذ عهد المخلوع بن علي، كان الغالب على الخطاب “الحداثي” في تونس؛ اشتغاله بالتعارض الجذري والنهائي مع الخطاب الإسلامي، وليس مع خطاب التحديث الفاشل والاستبدادي. فحتى تلك النخب التي ظلت معارضة للنظام، لم يمكن تعارضها معه هو التعارض الرئيس، بل كان تعارضا ثانويا يمكن أن يتحول إلى تحالف استراتيجي ضد العدو المشترك: الإسلاميين. ولذلك كانت النخب المعارضة تشتغل أساسا في القطاع المدني، بعد أن قتل المخلوع السياسة أوائل التسعينات من القرن الماضي (أي بعد نجاحه في حربه الاستئصالية ضد حركة النهضة، بل ضد مظاهر التدين ذاتها). ولم يكن خطابها/ مواقفها لتحرج “وجوديا” خطاب الدولة المؤسس للمواطنة المشروطة أو ما دون المواطنة، باعتبارهما البديل الأوحد لثقافة “ما قبل المواطنة” التي تمثلها الحركات الإسلامية.

 

منذ عهد المخلوع بن علي، كان الغالب على الخطاب “الحداثي” في تونس؛ اشتغاله بالتعارض الجذري والنهائي مع الخطاب الإسلامي

وليس يعنينا في هذا المقال التأريخ للخطابات الحداثية وعلاقتها الإشكالية بالسلطة أو بالإسلام السياسي (بل بكل حركات الاحتجاج الاجتماعي والثقافي)، بل كل ما يعنينا هو جملة من العناصر التي تمثل “النواة الصلبة” للخطابات الحداثية في تونس بعد الثورة: الموقف من الإسلام السياسي باعتباره المحدد الجوهري والرئيس لمعنى “الحداثة”، ولوظيفة “الدفاع عن النمط المجتمعي التونسي” ضد تلك الحركات “الظلامية” و”الرجعية”، خاصة منها حركة النهضة. ونحن نعتبر أنه لا يمكن الإجابة عن سؤال العنوان ما لم نربطه بهذه الإشكالية، أي بإشكالية كسر الثورة التونسية لبنية الحقل السياسي “القانوني”، وانتقال الإسلاميين – خاصة حركة النهضة – من وضعية” الملف الحقوقي” أو “الملف الأمني”؛ إلى وضعية الفاعل السياسي المركزي الذي يكاد وجوده يشرط منطق الفعل ورد الفعل في الفضاء العام كله.
قد يكون من غير الدقيق أن نتحدث عن كره النخب “الحداثية” التونسية لتركيا وقطر. فهذا الإطلاق يستوجب التخصيص من جهتين:

1- من جهة النخب “الحداثية ذاتها”، حيث أن الحداثيين في تونس صنفان كبيران: صنف ما زال يمارس السياسة بمنطق الكراسات الإيديولوجية العتيقة، باعتبارها غطاء/ واجهة لشبكة مصالح مادية ورمزية يهددها الوجود النهضوي مما جعلها تتخذ وضعية هجومية صريحة، وهم الأغلبية.. وصنف ثان يحاول التعامل مع الإسلاميين كما هم، ومن غير أن يختزلهم في صور نمطية أساسها الشيطنة، ولكنه أيضا لا يُسلّم لهم بصدق صورهم المثالية والبعيدة عن استحقاقات الثورة، بل البعيدة حتى عن انتظارات ناخبي النهضة ذاتها، وهؤلاء الحداثيون ما زالوا أقلية.

 

تركيا وقطر ليستا “الموضوع المقصود” للكراهية؛ بقدر ما هما “الموضوع المتاح” لتفريغ شحنة عدائية تجاه العدو الأصلي: حركة النهضة ومجمل الحركات الإخوانية

2- من جهة الموضوع “الحقيقي” أو الأصلي للكراهية.. فالحقيقة أنّ تركيا وقطر ليستا “الموضوع المقصود” للكراهية؛ بقدر ما هما “الموضوع المتاح” لتفريغ شحنة عدائية تجاه العدو الأصلي: حركة النهضة ومجمل الحركات الإخوانية التي خلخلت بنية مجتمعية حداثية أريد لها أن تكون “متجانسة” – ولو بصورة قسرية وبقرارات سلطوية فوقية – منذ الاستقلال الصوري عن القوى الاستعمارية الكبرى. فتركيا وقطر هما في الحقيقة مجرد بدل “إقليمي” لمبدل منه “محلّي”؛ لم تستطع أغلب النخب الحداثية – عند تعاملها معه – أن تغادر منطق”الصراع الوجودي” وسجلات القول “الحربية”، لتتحرك ضمن أفق “الشراكة” و”الاعتراف المتبادل”.

ليس الإمارات والسعودية!

لفهم هذه العلاقة الاستبدالية بصورة أفضل، قد يكون علينا أن نحدد بدقّة الأفكار أو المواقف التي ينكرها الحداثيون التونسيون على قطر وتركيا، دون سائر الفاعلين الإقليميين والدوليين الآخرين. ويمكننا أن نرد تلك الاعتراضات إلى اعتراضين أصليين تُشتق منهما سائر الاعتراضات الفرعية الأخرى: اعتراض داخلي يتمثل في دعم تركيا وقطر لحركة النهضة، مع اعتبار حركة النهضة حاضنة للإرهاب “بالقوة”؛ إذا ما تعذر تقديم دلائل على علاقاتها الفعلية بالإرهاب المُعولم، والتعمية على الجهات الإقليمية والدولية التي ستتضرر اقتصاديا وثقافيا من وجود النهضة ومن حلفائها الإقليميين.. واعتراض خارجي يتمثل في دعم هاتين الدولتين للحركات “الإرهابية” في سوريا واليمن خاصةً، مع التعمية على الدور الفرنسي أو السعودي- الإماراتي المطابق للدورين التركي والقطري، بل المزايد عليهما فيهما.

 

لفهم هذه العلاقة الاستبدالية، قد يكون علينا أن نحدد بدقّة الأفكار أو المواقف التي ينكرها الحداثيون التونسيون على قطر وتركيا، دون سائر الفاعلين الإقليميين والدوليين الآخرين

وقد يكون من المحال على القوى “الحداثية” التونسية أن تصوغ اعتراضيها الأساسيين بالصورة الصريحة المذكورة أعلاه، فلا شيء يمنع قطر وتركيا من اختيار حليفهما المحلي في تونس، أو يمنعهما من الانتصار لقوى اجتماعية وثقافية دخيلة على الحقل السياسي التونسي “القانوني”. ولا شيء في مستوى القضاء يؤكد المسؤولية الجنائية للنهضة في موضوع الإرهاب، وإن كانت المسؤولية السياسية ثابتة، رغم أنها كانت مرتبطة بضعف بنيوي أو باستضعاف ممنهج عاشته الدولة التونسية في فترة الترويكا. ولكنّ السردية “الحداثية” لا يمكن أن تستويَ على سوقها، إلا بالتسوية المغالطية بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية من جهة أولى، وبالتغطية، من جهة ثانية، على الدور السعودي- الوهابي في انتشار الفكر الإرهابي في تونس قبل الثورة وبعدها، وباستبعاد أي تورط لهاته القوة الإقليمية في تحريك السلفية التكفيرية؛ باعتبارها طابورا خامسا أو حصنا متقدما للدفاع عن العرش السعودي وسائر العروش الحليفة.

مكامن القوة

لعل قوة الخطاب “الحداثي” في تونس هي في طبيعته “الهلامية” التي تستطيع التغطية على تناقضاته الداخلية، ولكنّ قوّته الأكبر هي في حصانته من عمليات التشكيك والمساءلة في الأغلب الأعم من المنابر الإعلامية الخاصة والعامة. فالنخب “الحداثية” تتحرك ضمن منطق “عُصبوي” يخترق سائر مجالات النشاط العام. وهي لذلك تكبت وتهمش كل المواقع النقدية الجدية، وتمارس عليها ضربا من الإرهاب الفكري والترهيب اللغوي الفعّال إلى حد كبير. إنه “تضامن” يفقد سلطته “التحكيمية” – إلى حد كبير – في بعض المنابر التواصلية الحديثة (مثل مواقع التواصل الاجتماعي)، ولكنه يحتفظ بقوته كاملةً في المواقع التقليدية لإنتاج المعنى العام، من مثل الجامعات والفنون والنقابات وغيرها. ولا شك في أن ارتخاء قبضة هذا الخطاب على تلك المجالات هو أمر مستبعد، على الأقل في المدى المنظور، ولكنه أمر لا مهرب منه في حال استمرار الانتقال الديمقراطي وإدارة الصراع بعيدا عن الحلول الانقلابية الدموية.

 

لعل قوة الخطاب “الحداثي” في تونس هي في طبيعته “الهلامية” التي تستطيع التغطية على تناقضاته الداخلية

لو أردنا أن نبحث عن أسباب “عقلانية” تجعل الحداثيين التونسيين “يتوافقون” – رغم كل اختلافاتهم المرجعية ورغم علاقاتهم المتباينة بالسلطة – على كره قطر وتركيا، من دون استحضار “حركة النهضة”، فإننا سنكون أمام أسباب متهافتة ومتناقضة ذاتيا. فلو افترضنا – مثلا – أن كره هاتين الدولتين يعود إلى موقفهما من الحرب السورية أو اليمنية، لوجدنا أن هذه الحجة تتهافت بمجرد أن نتذكر أنّ فرنسا والإمارات والسعودية قد أظهرت من العداء لهذين النظامين مثلما أظهرت قطر وتركيا، بل أكثر. ولو قلنا إن عداوة الحداثيين لهاتين الدولتين تعود إلى أسباب اقتصادية مرتبطة باختلال الميزان التجاري مثلا، لوجدنا أنّ اختلال هذا الميزان مع فرنسا أشد وضوحا، بل لوجدنا أنّ فرنسا – مثلا – قد فرضت على تونس منطقا اقتصاديا متخلفا حرمها من وجهات اقتصادية بديلة، مثل مجموعة “البريكس” أو دول جنوب الصحراء الكبرى. أمّا لو اعتبرنا أن تركيا وقطر تشكلان خطرا على الديمقراطية التونسية، أو على النمط المجتمعي التونسي ذاته، خاصة في ما يتعلق بحقوق المرأة، لوجدنا أن هاتين الدولتين تُشجعان الشراكة الاستراتيجية بين النهضة والعلمانية (لتجاوز منطق الإقصاء والاستئصال من جهة العلمانيين، ومنطق “البديل” من جهة النهضويين)، كما أنه لم يثبت تورط أي من هاتين الدولتين في نشاطات قد تمس الأمن القومي التونسي (وهو ما يثبت في حق السعودية، على الأقل من حيث علاقتها بالوهابية التي هي القاعدة الأصولية والفقهية الأساسية للحركات التكفيرية، ويثبت أيضا في حق فرنسا باعتبارها راعية اللائكية المتطرفة المأزومة في فضائها التداولي الأصلي، فضلا عن دورها المؤكد في تنامي العداء للدولة على عكس العلمانية في الفضاءات الأنجلوسكسونية).

 

كره “الحداثيين” التونسيين لقطر وتركيا؛ هو ليس في جوهره كرها “للثورة” أو حنينا إلى نظام المخلوع، بل كره للآثار غير المرغوبة لهذه الثورة: أي انفتاح الحقل السياسي على الإسلاميين

ختاما، فإنّ كره “الحداثيين” التونسيين لقطر وتركيا؛ هو ليس في جوهره كرها “للثورة” أو حنينا إلى نظام المخلوع (كما قد يتبادر إلى الذهن)، بل هو كره للآثار غير المنتظرة أو غير المرغوبة لهذه الثورة: أي انفتاح الحقل السياسي على الإسلاميين، ودخول هؤلاء طرفا في إنتاج المعنى وفي اقتسام السلطة والثروة. إننا أمام حدث مفصلي في التاريخ العربي، وهو حدث لم تستطع أغلب النخب “الحداثية” التكيف معه، ولذلك وجدت النخبة التونسية نفسها متحالفة موضوعيا مع ثلاثة أطراف هم أبعد ما يكونون عن استحقاقات الثورة حتى في حدها الأدنى: ورثة المنظومة القديمة (باعتبارهم شبكة زبونية جهوية- أمنية- مالية تنحصر وظيفتها في دور الوكالة للخارج) وفرنسا (بما هي العائق الأكبر أمام تغيير العلاقات اللامتكافئة ثقافيا واقتصاديا مع الغرب ومنع امتلاك مقومات السيادة) والسعودية (بما هي الشكل الأكثر صدامية طائفية وتخلفا للإسلام). ولا شك في أن هذه الوضعية تحتاج إلى “عقل حداثي” حقيقي يستطيع الاشتغال النقدي على ذاته قبل جعلها نموذجا مثاليا أو شيطنة خصومها، وهو ما يبدو مشروعا “مؤجلا” عند أغلب النخب، على الأقل في المدى المنظور.

محرز العماري

محرز العماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *