ليالي منيار … بقلم سامية بن شتوح

ولجت منيار الملهى مرتدية معطفا من الكشمير الأسود الفاخر.هيفاء في ريعان الشباب.تتبختر رافعة ذقنها,تمشي الهوينى,بكعب عال,يرنو بها إلى أعلى..تكاد تلامس سقف القاعة المنخفض حسب ديكور المحل.لترى ولو لوقت وجيز الحاضرين من علو.علها تشعر أنها أعلى مستوى منهم ولو إلى حين,ولو إلى حين تنزع معطفها.. يرحب بها مطرب السهرة في الميكروفون, سائلا عن أحوالها.تجيبه ابتسامة عريضة لتبرز أسنان تكاد من بياضها تنافس الثلج المتساقط خارج القاعة. تشرئب الأعناق. تكتشف القادم, ثم تعود إلى ما كانت عليه. تجول منيار القاعة وسط القهقهات العريضة, الدالة على خواء صاحباتها من هم كهمها,بعينين واسعتين رغم انتفاخ المنطقة العلوية منهما. زادتهما بريقا جذابا, عدستان لاصقتان بلون البحر الهائج ليلتها كما أعلنت النشرة الجوية, كهيجان شعرها الغجري المتمرد في أناقة. تعترضها زميلاتها. ترسمن على خدها قبلا تجتهد صاحباتها في تصنعها. تبادلهن الزيف بالزيف. تواصل سيرها.ترمي قبلة لذاك. تبتسم لهذا. تلوح بيدها لأولئك. يدعوها بعض من وقعت عليهم عيناها للجلوس حذوهم, متجاهلين رفيقاتهم. فقد تعود الزبون لعب دور البطولة, كما تعودت الفتيات الاشتراك في زبون واحد. شهريار زمانه. حوله الجواري الحور. يلامس واحدة. يلاطف ثانية. يقبل تلك ويدس بعض الأوراق المالية في صدر أخرى قدمت له عرضا راقصا. تفضل منيار الجلوس في مكان شاغر. فما عادت ترغب في الصحبة مذ تلك الحادثة..تخلع عنها معطفها لتكشف عن جسد بالكاد مكسوا.تنورة مختصرة, وصدار يشبه الصدار..ترتمي على الأريكة الوثيرة. تضع رجلا على رجل. ترتفع التنورة حتى لا تصبح مختصرة, بل تكاد لاترى.يحضر لها النادل طلبها الذي تعوده. جعة باردة و(شيشة تفاح). يزود النادل النرجيلة بالجمر. يجري لها اختبارا ثم يمدها بالقابض. تمرر كفها على المبسم كأن تمسح ما علق من ريق النادل عليه, أو هي حركة لا إرادية يقوم بها كل مدخن لهذه الساحرة. تجذب نفسا عميقا يغور معه خداها. يتطاير الشرر من الجمر معبرا عن لذة جامحة أو عن ألم عميق..ترفع رأسها, تنفث دخانا يوحي بنار موقدة تلفح جنبيها. يشكل سحابة لن تكون طبعا سحابة صيف والفصل شتاء. على وقع أغنية “عبد الحليم حافظ” “وابتدى المشوار” تدخل القاعة “تاتا فضيلة” تصحب كما هي العادة ابنتيها “شريفة وعغاف”. ترمي بهما في أحضان رجال تعودتا عليهم. عبثا تحاول الفتاتان كل مساء محو آثار الليلة السابقة لرسم ملامح ليلة جديدة, لتكتشفا أنهما تعيدان السيناريو نفسه, همس فلمس فقبل لينهي “العندليب” أغنيته ب “آه يا خوفي من آخر المشوار” تتلقفهما أياد أبت أن تعترف أنها تجاوزت عمر النط والقفز على حلبة الرقص. جلهم من ترهلت أوداجهم وانتفخت بطونهم. شاب شعر رؤوسهم وامتلأت جيوبهم مالا, جعلهم في عيون الغانيات أمراء لهم الأمر وعليهن الطاعة. الطاعة المسبوقة الدفع حينا والمشروطة أحيانا. فالغاية تبرر الطاعة أحيانا أخرى… تجوب منيار برأسها القاعة باحثة عنه بنفس الأمل المتجدد كل ليلة. لم يأت بعد أو ربما لن يأتي هذه الليلة أيضا..لن تنسى أول قبلة طبعها على شفتيها. كم تمنت لو أن الزمن توقف بهما لحظتها. مارست هذه اللعبة كثيرا,ومعه انتبهت أنها تقبل رجلا لأول مرة في تاريخ مهنتها..اكتشفت أنها كائن حي,يحس ويستمتع. اكتشفت ببساطة,أنها امرأة… لم يكن ثرثارا كغيره.كأولئك الذين يفخرون ببطولاتهم ومغامراتهم. وقدراتهم على التمييز بين الغث والسمين من بنات حواء. ومهارتهم في صيد الأشهى والأجمل. متغافلين عن أنهم هم من مورس عليهم فعل الصيد… عشقت صمته, غموضه. مسحة الحزن في عينيه. أجاء ليلتها لينسى؟ لينتقم؟ ليعاقب نفسه؟ ليتها تدري..منحها حصانة ضد الرغبة في أن يلمسها رجل بعده. صارت تشمئز’ ترتعش من كل يد توضع عليها,أو نفس يقترب منها. كل حضن غير حضنه يشعرها بالاختناق. كل شفة غير شفته تشعرها بالغثيان. كانت تراه لأول مرة. كانت الأولى التي تقع عليها عيناه. الأولى التي ساقه قدره ليجالسها وهي منفردة بطاولتها, على غير عادتها. وكأنها كانت في انتظاره. قصدها تائها. باحثا عن مستقر. مترددا بين البقاء والانسحاب. لم تترك له فرصة أخذ قرار. لا تدري ما شدها إليه, وهي التي لم تفضل يوما زبونا على آخر.ألحت على الجلوس فجلس. نظر إليها في صمت. كأن يستوحي منها مشروعه المستقبلي. كأن يستوحي منها خلاصا من شيء ما. كأن يترجاها الخروج به من ذاك الكوكب الصاخب, غريب التركيبة. استجابت لندائه الخفي. لرغبته الانفراد بها. انتصبت واقفة. مدت له يدها. وقف بدوره.مسك يدها.خرجا صامتين,ينظر كل منهما الآخر.. كانت ليلة ميلادها. كأن لم تكن تحي قبل ذلك اليوم. ألهمته الرجولة, فكان يوم ميلاده,كأن لم يجئ إلى الحياة قبل..بالصمت الذي غادرا به الملهى أعادها بسيارته إلى حيث حددت له المكان. لم يطلب رقم هاتفها. لم تجرؤ على مده إياه..معه فقط شعرت بعزة نفس.معه فقط تمنت أن يرغب فيها على أنها امرأة. مدها بأوراق مالية كثيرة. رمقته نظرة أسف. امتنعت عن تسلمها.. نزلت من السيارة. أغلقت الباب. ضغط على دواسة البنزين. انطلقت العربة لا تلوي على شيء… ظلت ترتاد المكان كل ليلة, علها تراه ثانية. فيما يشبه الدهر مر شهر, وهي تغادر المحل, بعد يأسها من قدومه, صحبة جلاد يصطحبها إلى حتفها, إلى مثواها الأخير. لتعاود الحياة من جديد تحت وقع ماء حمامها اليومي. وبين موت وبعث, عذاب يجبرها على ارتياد المكان. غلب الروتين حياتها. تسللها الملل. ما عادت تستعد للعمل بنفس الشغف الأول. صارت تسعى للمكان قدماها بحكم التعود. تجلس وحيدة. يسرح بها خيالها بعيدا عن الأجواء المحيطة بها. ترسم أحلاما على قدر مقاييسها, حتى تكاد لا تسمع ما يدور حولها من موسيقى وصخب الرواد..حتى أنها تهتز ليد توضع على كتفها, أو قبلة ترسم على عنقها. يفاجئها الواقع بالواقع, لتظل أحلامها أحلاما..ترسم على ثغرها ابتسامة. تجامل الحريف إلى آخر السهرة , بل إلى آخر رمق فيها. كم تمنت أن لن يطلع عليها صبح. كم تمنت لو تخلصها الحياة من هذه العذابات التي جعلت منها كتلة عذاب متنقلة.. لكن لما لم يأت مذ تلك الليلة؟ فما شعرت بوجودها في هذا الكون كليلتها تلك..أتراه لم يبادلها الإحساس وقد ظنت أن ذلك حصل ؟؟ لم تنجو ليلتها من الموت, لكنه كان موتا رائعا. إذ امتزج بولادة جديدة. كانت كبرعم يتفتح من على غصن شجرة. أحست ليلتها فقط أنها قد تتحول إلى زهرة ثم إلى ثمرة.. لكنها ظلت برعما مع إيقاف التنفيذ, برعما مهددا بالفناء… لفرط ما انتظرته, بدا لها أنه يدخل القاعة. جحظت عيناها, فاغرة فاها. شلت الصدمة قوائمها. شعرت بالعجز يجتاح أطرافها. التصقت بالكرسي ولم تستطع النهوض. تقدم يجول القاعة بعينيه كأن يبحث عن شيء, أتراها المقصودة؟ أم عاد فقط للبحث عن امرأة ما يقضي معها ليلته..فيوصلها مكانا ما..ليدفع لها مبلغا ما… تعترضه الجميلات. ترتمين عليه بحركات مدروسة للإثارة. تمسكه هذه من يده, تمرر تلك كفها على خده, لتحاول أخرى جره إلى طاولتها.لكنهن لم يقنعنه. لم يرضخ لهن. واصل السير وعيناه تجوبان المكان. يقع نظره عليها. تلتقي الأعين الأربع . يتسمر مكانه برهة, مسترجعا صورة لم تمحى من ذاكرته. إنها هي..لن ينسى ملامحها. تنهض من على الأريكة, على ثغرها ابتسامة حالمة. أنفاس تتصعد بصعوبة.كأن فؤادها يتوقف عن النبض. تخور قواها. ترتمي ثانية على الكرسي. يسرع إليها. يمسك يدها. بصوت قادم من خواء, يقول: كنت أبحث عنك. دون إجابة تنظر إليه. كما لو أصابها خرس. يواصل:كيف أنت؟ أنا مشتاق إليك. انهضي. هيا معي. لنخرج من هذا المكان إلى الأبد. أريدك لي وحدي. لن تعودي هنا ثانية..لن تعودي هنا ثانية.. تتحامل على نفسها. تتبعه بالخرس نفسه. يغادران المكان كحمامتين تحلقان في الفضاء.. غادر الرواد الملهى. توقف العزف. خيم الصمت على المكان. لاحظ النادل استرخاء منيار على الكرسي. تقدم منها بتؤدة واستغراب, متسائلا:ألم ترق لأحد هذه الليلة؟ أم لم يرق لها أحد؟ ما تعودت البقاء إلى آخر السهرة دون رفيق! اقترب أكثر.ناداها: منيار! منيار! مازالت عيناها الجاحظتان على حالهما. مازال الخرس يلزمها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *