ما خلف ربطة العنق

تدوينة الدكتور رفيق عبد السلام

وزير الخارجية التونسية الاسبق

اثارت ربطة عنف الشيخ راشد الغنوشي سيلا من التعليقات وغدت مادة دسمة للتخمينات ان لم نقل للتشوُف وقراءة الكف. المسالة لا تحتمل كل هذه التأويلات والتخمينات ،كل ما في الامر ان حركة التطوير والتجديد التي دفع نحوها الغنوشي وعكستها توجهات المؤتمر العاشر تتجه اليوم الى ان تضيف الشكل الى المضمون والمبنى الى المعنى في عصر محكوم بسلطة الصورة.
ليست هذه المرة الاولى التي يرتدي فيها الغنوشي ربطة العنق حيث كان يفعل ذلك في بعض المناسبات النادرة في المهجر، ولكن بالتأكيد هذه هي المرة الاولى التي يظهر في وسائل الاعلام والمنابر العامة بربطة العنق، بما يوحي بالرغبة في مزيد الانسجام مع المزاج العام وأعراف المجتمع التونسي، مع التخفيف التدريجي من المسافة بين الايديولوجي والمجتمعي وبث رسالة التطور والانفتاح
النهضة في شكلها الجديد اقرب الى ان تكون تيارا مجتمعيا حداثيًّا بلمسة هوية ، ولعل المراوحة بين الجبة التونسية المطرزة والبدلة المصحوبة بربطة العنق تؤشر على هذا التفاعل المتبادل . بقي ان تشير الى ان هذه التحولات التي تمر بها النهضة يجب ان تكون عقلانية ومتوازنة ولا تبعدها عن حاضنتها الشعبية، خصوصا بين الفئات الأقل حظا في التنمية.

المهم ان ربطة العنق قد أعطت شيئا من الانسجام والاناقة في المظهر واضافت حلقة مفقودة الى البدلة “الإفرنجية” التي باتت معولمة ، ولعلها محاولة للاقتراب أكثر من مزاج المجتمع وتجسير الهوة بين الايديولوجي والواقعي، ويعي لتخطي حواجز التشويه الذي تعرض لها الغنوشي على امتداد عقود متتالية من الحكم التسلطي . ولكن الأهم من كل ذلك هو التركيز على المضامين السياسية للحوار اكثر من التركيز على المظهر والملبس.
بقي ان نشير اخيراً. سبق للمرزوقي ان صرح بانه لن يقدم على وضع ربطة العنق قبل ان يلبسها الغنوشي، وها هو الغنوشي قد فعلها هذه المرة، فماذا هو فاعل غدا.
فهل سيتشبث المرزوقي بصورته المستحدثة رئيسا ثائرا وغاضبا ببرنسه الطويل والداكن، أم سيعود لصورته الأصلية اي الحقوقي العالمي بربطة العنق الملونة ، خصوصا وقد تبين على سبيل اليقين استحالة تحقيق حلم العودة الى قرطاج.

محرز العماري

محرز العماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *