محاربة الفساد في تونس بين الدعوى والمحصول

بقلم : عادل بن عبد الله

عن عربي 21

رغم كل عمليات”التجميل” و”المساندة النقدية “(نسبة إلى المال لا إلى المعارضة) التي تقوم بها مراكز سبر الآراء “المشبوهة”  لتلميع صورة رئيس الحكومة –خاصة مؤسسة سيغما كونساي لصاحبها المثير للجدل حسن الزرقي-، من الواضح لمن يتتبع السجال العام في مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها أنّ أغلب التونسيين لا يثقون في جدية القرارات الحكومية الرامية إلى مقاومة”الفساد”.
من المؤكد أنه لا يمكن فهم توجهات الرأي العام في قضية جزئية-مهما كانت أهميتها-  دون وضعها في إطارها العام: طبيعة الموقف من الحكومة ، ومن وراء ذلك صورة النخبة السياسية الحاكمة عند المواطن التونسي. ولا شك أنّ هذا الموقف ليس وليد صدفة أو مجرد سلوك اعتباطي ليس له من يُعقلنه.
لو أردنا اختزال جملة المواقف المهيمنة على السجال العام حول قضية الفساد لقلنا إنها تقبل الرد إلى موقفين أساسيين يجب التعامل معهما  على أساس أنهما”نموذجين مثاليين” بالمعنى الفيبري للكلمة:
-موقف ناخبي حركة نداء تونس وحلفائها من أنصار”الانتخاب المفيد” في “العائلة الديمقراطية”. ويمكننا أن نجزم بأن الفساد عند هؤلاء هو أساسا فترة حكم الترويكا بنواتها النهضوية. فليس الفساد -عند من يديرون خلافهم مع النهضة على أساس”وجودي” لا على أساس سياسي-  هو فساد المنظومة الدستورية-التجمعية التي قامت عليها الثورة (فالتجمعيون هم جزء هام في “العائلة الديمقراطية”، بل هم قاطرتها ومركز ثقلها المالي خاصةً) ، وليس الفساد فساد خيارات الدولة الوطنية التي انبنت على الجهوية والزبونية حتى تحوّل الفساد فيها إلى سياسة دولة.
ولا شك في أن المنتمين إلى هذه الفئة هم أكثر الناس حماسة للحرب المزعومة على الفساد (فهذه الحرب تستثني إلى حد الآن المنتمين إلى النواة الصلبة للمنظومة الحاكمة، وهي نواة جهوية-أمنية-مالية تتحرك من داخل أجهز الدولة وليس على هوامشها أو بالتوازي معها، كما أنّ محاربة الفساد لا تمس إلا شبكات تهريب  يرون أنها قريبة من حركة النهضة أو على الأقل لم تظهر ما يكفي من العدائية تجاهها)، ولكن انتظارات هذه الفئة من الشاهد أكبر يبدو أنها أكبر مما يستطيع –بحكم توازنات القوة- الوفاء به. فهي تنتظر منها مواقف صدامية مع حركة النهضة (وتصفية حسابها مع فترة الترويكا تحديدا)، لأنّ مشكلتها الحقيقية ليست مع منظومة الفساد(بل هي نفسها منتج من منتجات “المال السياسي الفاسد” والأنساق الإيديولوجية الفاسدة واللاوظيفية) بل مشكلتها هي مع المنظومة الديمقراطية وما أحدثته من اختلالات جذرية في بنية الحقل العام بعد دخول الإسلاميين إلى الحقل السياسي”القانوني”.
-موقف ناخبي حركة النهضة وبعض القوى الديمقراطية غير الاستئصالية. ويمكننا أن نقول بأن هؤلاء واعون بالطبيعة الانتقائية لسياسات رئيس الحكومة، وواعون بأن محاربة الفساد لم يتحول إلى خيار سياسي حقيقي عند النخبة الحاكمة (بما فيهم النخبة النهضوية المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية) ولذلك فإنهم يتعاملون مع تصريحات رئيس الحكومة وخطواته العملية بنوع من التوجس والشك. فالنسبة لهؤلاء تبدو “محاربة الفساد” مجرد مجاز حقيقته لا تتجاوز القليل من الضربات المدروسة لشبكات التهريب ولبعض الرموز الاقتصاديين (شفيق جراية) والإعلاميين (سمير الوافي) من غير المحسوبين على “النواة الصلبة” للمنظومة الحاكمة (هم غير محسوبين عليها جهويا أساسا، وبصورة أقل سياسيا).

رغم وجود اختلافات جزئية تُفرق بين النهضويين وبقية المنتمين إلى هذه الفئة (إذ يبدو النهضويون أقل راديكالية في انتقاد رئيس الحكومة وأقرب إلى منطق المساندة النقدية التي تنظر في المحصول ولا تنظر إلى النوايا، أو لنقل هم أقرب إلى الاعتذار لقياداتهم وحسن الظن بهم رغم كل ما قد يُضعف من تلك الثقة)، يبدو أنّ غلبة الشك عند من يحملون هذا الموقف تعود إلى وجود تشابه بنيوي مريب بين تعامل الدولة مع مجرمي النظام السابق وبين تعاملها مع قضية الفساد(الانتقائية في الاستهداف..ضعف السند القانوني  للإحالات والإخلالات الشكلية الغالبة عليها ، تفعيل العدالة الاستثنائية المرتبطة بقانون الطوارئ والإعراض عن مسالك العدالة العادية التي تضمن صلابة قانونية وشرعية أخلاقية توفر دعما شعبيا مؤكدا لعمل الحكومة )، كما يعود الشك إلى الإصرار على إبقاء مشروع المصالحة أمام أنظار هيئة التشريع العام في المجلس النيابي رغم تعارض هذه المبادرة التشريعية الرئاسية مع دعاوى محاربة الفساد.

لفهم مقدار عبثية الواقع السياسي التونسي، وللوقوف على الرهانات الحقيقية للمنظومة النيو-تجمعية التي تبوّأت مراكز القرار بعد انتخابات 2014، قد يكون من المفيد في خاتمة هذا المقال أن نجيب على السؤال التالي: لماذا يصرّ رئيس الدولة على أن يرتبط مشروع المصالحة باسمه رغم كل تعثراته ورغم سمعته السيئة في الداخل والخارج (لأنه مشروع للتطبيع مع رموز الفساد الإداري والمالي زمن المخلوع بن علي)، ولماذا يترك لرئيس الحكومة “شرف” إدارة ملف محاربة الفساد رغم ما فيه من مكاسب سياسية ومن دعم شعبي مؤكد لا يمكن أن نشك في أنّ رئيس الدولة أشد حاجة إليهما من “وزيره الأول”؟.

للحكم على المآلات النهائية لحملة رئيس الحكومة على الفساد (تلك الحملة التي تحوّلت إلى صراع مراكز نفوذ داخل المنظومة الحاكمة من أجل اقتسام تركة المخلوع بمنطق موازين القوى الموروثة من عهده المافيوزي، لا من أجل بناء قواعد جديدة للقسمة مستمدة من استحقاقات الثورة)، قد لا نكون محتاجين إلى التذكير ب “التناقض الأساس” الذي تُشتق منه سائر التناقضات الجزئية المهينة على العقل السياسي التونسي ( ونحن نعني بالتناقض الأساس هنا استحالة محاربة الفساد بمنظومة حكم هي نفسها وليدة منظومة فساد ممأسس)، وقد لا نكون أيضا مضطرين إلى التذكير بمحدودية سلطات رئيس الوزراء الذي تحوّل من رئيس وزراء إلى وزير أول في عهد “سي الباجي”، للحكم على المآلات النهائية للحملة على الفساد يكفي أن نتذكر براغماتية الباجي قائد السبسي (وبراغماتية “المسؤول الكبير” الذي يقف وراءه)، وهو ما يجعلنا نجزم بأنّ محاربة الفساد “الطارئ” أو غير المؤسسي -بقيادة يوسف الشاهد- ليست إلا جزءا من آليات الدعم “المخاتل” لاستراتيجية التطبيع النهائي مع النواة الصلبة لمنظومة الفساد في مشروع رئيس الدولة “الأهم”: مشروع المصالحة الاقتصادية والمالية باعتباره معبرا لإعادة إنتاج المنظومة الحاكمة قبل 14 جانفي 2011 ، لكن مع تعديلات شكلية لا تمس نواتها الصلبة المتمثلة في المُركّب الأمني-المالي-الجهوي الحاكم منذ بناء ما سُمّي بالدولة الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *