هل تحتاج “حركة النهضة” فقط إلى النقد الذاتي والمراجعات؟

بقلم عادل بن عبد الله

قد لا يكون السيد لطفي زيتون، المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة، أكثر القيادات النهضوية تأثيرا في توجهات الحركة وخياراتها الكبرى، رغم قربه من زعيمها التاريخي، ولكنه بلا شك من أكثر النهضويين إثارة للجدل العام، سواء بين قواعد حركته أو خارجها. ومهما كانت مواقفنا من أطروحات السيد زيتون، فإنه لا أحد ينكر ما تثيره من إشكاليات حقيقية يتجنب أغلب قياديي النهضة الاقتراب منها، بحكم ما قد تثيره من ردود فعل لدى بقية القيادات، ولدى القواعد الحزبية. وقد أصبحت التصريحات الأخيرة التي أدلى بها السيد زيتون لإحدى الصحف التونسية (والتي أعقبتها عدة حوارات إذاعية وتلفزية) مثار جدل واسع في وسائل الإعلام التقليدية وفي وسائل التواصل الاجتماعي. ولكنّ هدفنا في هذا المقال لن يكون تحليل خطاب القيادي النهضوي، بقدر ما سيكون الدفع بالسجال العام إلى مواضع تحرص العديد من الأطراف (داخل حركة النهضة وخارجها) إلى إبقائها في دائرة المقموع واللامفكر فيه.

سواء أتابعنا آراء بعض النهضويين الملتزمين بمخرجات مؤتمر حركتهم الأخير، وقلنا معهم إن أطروحات السيد زيتون لا تُمثل إلا شخصه ولا تعبّر إلا على اتساع حزبهم لمختلف الآراء مهما كانت أقليةً، أم ظاهرنا القائلين بأن تلك الأطروحات تُمثل جناحا كاملا أو توجّها “كامنا” لدى العديد من القيادات والقواعد النهضوية، فإننا لا نستطيع أن ننكر أن السيد لطفي زيتون قد حرّك مياها راكدة، وأنه قد كانت له الشجاعة ليخاطب كل التونسيين ويجيب عن بعض أسئلتهم بعيدا عن اللغة السياسية الخشبية، بل بعيدا عن حسابات التموقع المحكومة أساسا بانتظارات القواعد الحزبية.

 

الأغلب الأعم من التفاعلات النخبوية تحرص على إبقاء الإشكال داخل حركة النهضة، ولا تسعى إلى استثمار هذه اللحظة النقدية

إننا أمام خطاب يقترب من منطق “الرضة”، ولكنه يظل خطابا منتظرا بحكم تعوّد المشتغلين بالشأن العام بمواقف السيد لطفي زيتون المغرّدة خارج السرب النهضوي. ورغم محاولة الكثير من “العلمانيين” اختزال مواقف السيد زيتون في منطق “ازدواجية الخطاب النهضوي” أو “تقاسم الأدوار” بين قيادات هذا الحزب، فإننا نميل إلى اعتبار ذلك ضربا من التسطيح من جهة أولى، ومحاولة لحصر النهضة ضمن صورة نمطية تؤبد العلاقة العدائية معها من جهة ثانية. ولكن الإشكال ليس في التلقي السلبي لمراجعات السيد لطفي زيتون أو لما يقوم به نقد ذاتي لحركته، بل هو أيضا في التلقي الإيجابي له داخل ما يُسمّى بـ”القوى الديمقراطية”. فالأغلب الأعم من التفاعلات النخبوية تحرص على إبقاء الإشكال داخل حركة النهضة، ولا تسعى إلى استثمار هذه اللحظة النقدية على واجهتين: أولا بناء حوار حقيقي مع السيد لطفي زيتون ومع حركة النهضة كلها بدل استثمار “المراجعات” لمزيد استهداف الحركة أو شيطنتها، وثانيا مدّ الاشتغال النقدي إلى داخل “العائلة الديمقراطية” ذاتها لا توظيف تلك المراجعات في تمجيد الذات وأمثلتها (Idealisation).

مِثل كل خطاب سياسي، فإن القيمة التداولية لمراجعات السيد لطفي زيتون لا تُحددها الذات المنتجة للخطاب(من جهة النوايا أو المقصود)، بقدر ما تحددها التفاعلات الجماعية معها داخل حركة النهضة وخارجها. ونحن لا ندعي في هذا المقال أن كلامنا مبني على إحصائيات علمية لطبيعة تلك التفاعلات ولا لتوجهاتها الكبرى، ولكننا نزعم (من خلال استقراء العديد من الآراء داخل وسائل التواصل الاجتماعي التي نشر السيد زيتون نفسه أغلبها على صفحته الشخصية في الفيسبوك) أنها لا تخرج عن خطّين كبيرين. أما الخط الأول فيعبّر عن توجّس الكثير من النهضويين من التداعيات السلبية لتلك المراجعات على التلاحم الحزبي وإمكانية استثمارها في مهاجمة حركتهم قبل الاستحقاق الانتخابي القادم، وأما الخط الثاني فيعكس تراوح تفاعلات النخب الحداثية بين الاكتفاء بتثمين هذه المراجعات (لكن دون توظيفها لمهاجمة حركة النهضة ودون الدعوة إلى مراجعات مماثلة داخل “العائلة الديمقراطية”)، وبين استثمار تلك المراجعات “إعلاميا” لتصفية الحسابات السياسية مع حركة النهضة، استنادا إلى تأويلات اختزالية وسطحية مدارها “وشهد شاهد من أهلها”.

 

هل التونسة هي “التطبيع” مع العقل السياسي الاستبدادي الذي حكم تونس في اللحظتين التجميعية والدستورية، ثم أعاد إنتاج نفسه في حركة نداء تونس و”الاعتراف اللامشروط” به؟

لقد كانت للسيد لطفي زيتون الشجاعة الفكرية للقيام بنقد موجع لحركته، وعبّر عن حراك حقيقي في داخل الحزب، وذلك بصرف مهما النظر عن مآلات هذا الحراك أو التأثير الممكن له في بناء سياسات النهضة، فماذا فعل “الحداثيون” لمراجعة خطاباتهم ومواقفهم بعيدا عن المزايدات والادعاءات الذاتية؟ أين المراجعات الجادة للسرديات الأيديولوجية الكبرى كالشيوعية والقومية؟ أين النقد الذاتي عند التأريخ لعلاقة “الديمقراطيين” بنظام المخلوع ابن علي وبالأحزاب اللي ورثته، منطقا ومصالح وآليات حكم بعد الثورة؟ لماذا يغلب على “الحداثيين” طرح الأسئلة البلاغية (أي طرح أسئلة هي أجوبة مقنّعة أو صياغة استفهامية لأجوبة موجودة سلفا) وينفرون من الأسئلة الاستفهامية (أي الأسئلة “الشجاعة” التي لا تفترض إجابات معينة ولها من الجرأة ما يجعلها تقبل بأية إجابة “حوارية” مهما خالفت قناعات صاحبها)؟ ما هي العائلة السياسية والايديولوجية التي يحق لها أن تدعي أنها مرجع للديمقراطية سواء في التنظير أو الممارسة، ولماذا يجب أن نصدّق أن القومي أو الشيوعي أو الدستوري (الذي لا يشهد التاريخ ولا الواقع على ديمقراطيته بالمعنى الليبرالي للكلمة) قد أصبح ديمقراطيا بمجرد الدعوى؟ ما هي المفاهيم الإجرائية التي أنتجها العقل الحداثي لإدارة الثورة ضد استراتيجيات الثورة المضادة؟

وقد يكون على “الحداثيين” أن يتساءلوا أيضا عن معنى “التَّونسة” التي لا يكاد يخلو أي اعتراض على حركة النهضة من التشكيك في حصولها. فهل التونسة هي “التطبيع” مع العقل السياسي الاستبدادي الذي حكم تونس في اللحظتين التجميعية والدستورية، ثم أعاد إنتاج نفسه في حركة نداء تونس و”الاعتراف اللامشروط” به؟ أم إن التَّونسة هي محاكاة المعارضة التي لا تمارس الديمقراطية حتى داخلها وتكرس عبادة الزعيم والقائد الملهم (كما هو شأن السيد حمة الهمامي الذي يكاد يتأبد في زعامة حزب العمال)؟ ما معنى “تونس دولة دينها الإسلام”؟ وهل يعني ذلك احتكار الدولة للتأويل الوحيد الصحيح والمستقيم للإسلام وتغييب أي تأويل قد يأتي من خارجها؟ هل “اللائكية الفرنسية” هي الفلسفة السياسية الأصلح لإدارة العلاقة بين الدين والسياسة؟ أم إن علينا الانفتاح على نماذج علمانية أخرى مثل النموذج الأنغلوساكسوني؟ ما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه الدين في بناء المشترك المواطني؟ وهل ينبغي على التشريعات أن تتحرك بالضرورة في الاتجاه المعاكس لعقائد الشعب ومقدساته؟ هل على الإسلاميين كي يكونوا شريكا في بناء الجمهورية الثانية أن يتماهوا مع انتظارات النخب اللائكية، وأن يتحولوا إلى” مسخ” أو إلى شاهد زور على “خرافات النمط المجتمعي التونسي”؟ كيف يمكن أن تكون حداثيا وعقلانيا دون أن تحس بالحاجة إلى النقد الذاتي أو إلى القيام بمراجعات لأفكارك، وقد تحولت إلى نوع من الدوغما التي لا تختلف عن الدوغمائيات الدينية إلا بادعاءاتها الحداثية والتنويرية والتحريرية؟ إنها جملة من الأسئلة التي نرى أن على العقل “الحداثي” التونسي (بمختلف منحدراته الأيديولوجية) أن يتدبرها، وألا يجعل من تصريحات السيد لطفي زيتون مجرد مناسبة أخرى لشيطنة النهضة من جهة أولى، ولتغذية الاستعلاء وتقوية الكسل الفكري من جهة ثانية؟

 

توجد جملة من الأسئلة التي تسعى ردود الفعل (من الجهتين النهضوية والعلمانية) إلى تغييبها، بل إلى قمعها حتى تتيسر “شخصنة” السجال

لأسباب مختلفة، أبهجت تصريحات السيد لطفي زيتون العديد من المنتمين إلى اليسار، وكذلك من ورثة التجمع المنحل بعد الثورة. فهي تصريحات تعبّر عن نقد ذاتي عميق وجذري لحركة النهضة من طرف مستشار رئيسها وأحد قياداتها التاريخية (فهو يطرح مسألة الإسلام الديمقراطي، تَونسة الحركة، المرجعية الإسلامية والمشترك الوطني، العلاقة بالرأسمالية الوطنية، طبيعة النظام السياسي الأنسب لتونس، العلاقة بالدولة ومؤسساتها ورموزها الحالية والتاريخية، الاختلافات العميقة بين النهضويين في فهم دور الدين في بناء المشترك المواطني.. الخ.. الخ). وبصرف النظر على اختلاف المواقف من هذا النقد (ولا أخفي أنني أجد نفسي في العديد من أطروحات السيد زيتون)، توجد جملة من الأسئلة التي تسعى ردود الفعل (من الجهتين النهضوية والعلمانية) إلى تغييبها، بل إلى قمعها حتى تتيسر “شخصنة” السجال (كما يريد أغلب النهضويين الذين يريدون إقناع أنفسهم قبل غيرهم بأن السيد لطفي لا يُمثل إلاّ نفسه) أو اختزاله في “المسألة النهضوية” دون توظيفه في إعادة تدبر الحقل السياسي كله، أو قل دون استثماره في بناء مشترك مواطني (أو كلمة سواء) لا يكون “النهضويون” فيه مجرد شاهد زور أو ملحقا “صوريا” بمنظومة الحكم، ولا يكون “الحداثيون” كذلك مجرد أقلية “ثقافية” ليس أمامها سوى الاستقواء بالدولة (أو حتى بالخارج) لحماية الحقوق الأساسية للمواطنين من خطابات “الموقّعين عن رب العالمين”.

المصدر : عربي 21

محرز العماري

محرز العماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *