ورد و شوك

تفعيل التعددية النقابية
روضة المداغي
رن هاتف المكتب، رفعت السمّاعة لتجد في الطرف المقابل السيد الرئيس المدير العام يخاطبها بكل ود على غير العادة:
– من فضلك يا آنسة، سأرسل لك إبنة صديقي لتقومي بطباعة بحثها الجامعي. أريده عملا متقنا بإخراج جميل. مفهوم؟
أجابته بكل لطف، وهي تحاول إخفاء امتعاضها الشديد: – حسنا سيدي، ولكن ليس لي متسع من الوقت أثناء العمل، فماذا عسايا أفعل ؟
ردّ ببرود: – يمكنك المكوث بعد أوقات العمل. وأقفل الخط !
شعرت بالدماء تصعد إلى قمة جمجمتها واحتقن وجهها غيظا. كم أحسّت بالغبن والقهر وهي تجد نفسها مجبرة على القيام بعمل إضافي لا يدخل في إطار عملها الذي تتقاضى من أجله جراية شهرية زهيدة.
يا إلهي كم يجرؤون على إستغلال الموظف المحتاج لوظيفته تلك فلا يستطيع رفض أوامرهم ويضطر إلى الانصياع إلى رغباتهم دون نقاش!
كانت فتاة معتدة بنفسها دون غرور وكانت شامخة لا ترضى الدنية ولا الذل. كانت كرامتها فوق كل شيء فهكذا تربت وهكذا شقت طريقها في هذه الحياة. كان عملها ككاتبة في إحدى المؤسسات الخاصة، والتي تتكون من عدة شركات بإدارة واحدة وطاقم إداري واحد، شاقا ومتعبا، وكانت مهمتها هي رقن المراسلات و”الفاكسات” باللغة العربية والفرنسية والإنجليزية، بما أن مجموعة الشركات التي كانت تعمل بها متخصصة في التصدير أساسا. وكان عليها أن تعيد كتابة النص عديد المرات بعد أن يقع إصلاحه من طرف الموظف المختص. اعتملت في قلبها كل المشاعر الغاضبة الساخطة وكادت أن تجبرها على أخذ حقيبتها ومغادرة مكان العمل دون رجعة.
وفجأة، طُرق الباب بلطف وأطل وجه باسم ومألوف لديها، لم ترهق ذاكرتها كثيرا، فلقد عرفت صاحبته بسرعة فائقة، فهي لم تنس قط شيئا من ذكريات الطفولة وأصدقاء الصبى.
استرجعت هدوءها وحاولت إخفاء ما اعتمل في صدرها من غضب. فهي لم تكن تظن أبدا أن من هاتفها بشأنها السيد الر.م.ع. ستكون صديقة طفولتها.
نطّت من مكانها من خلف شاشة الحاسوب، ونسيت غضبها وحنقها وتقدمت نحو الطارقة ببسمة عريضة وقلب خافق، يا للروعة، إنها صديقتي “أحلام”، يا محاسن الصدف! رحبت بها بألطف العبارات، فلقد سعدت حقا برؤيتها، رغم أنهما لم تلتقيا منذ أن غادرت المعهد الثانوي بمدينتها، لتكمل دراستها الثانوية بمركز الولاية وتتحصل على شهادة التقني فيما كان يسمى في النظام القديم T.E.A )Technique Economique Administratif).
مضت كل واحدة فيهما في طريقها منذ ذلك الوقت ولم تعلم عن الأخرى شيئا، شأنهما شأن كل رفقاء الدراسة الإبتدائية والثانوية. مضى الجميع في حال سبيله وتغيرت ملامح الصغر واكتسبت الوجوه والأجساد ملامح الشباب والأنوثة.
تعانقت الصديقتان واسترجعتا ذكريات الطفولة ثم جلستا تتصفحان البحث وتتباحثان سبل العمل وشروطه. كانت أحلام شابة يافعة جميلة، لم ينطفئ ذلك الذكاء الوقاد من عينيها الجميلتين ولم تغادرها تلك البسمة المحتشمة الهادئة. فلطالما كانت أحلام فتاة متقدة الذكاء ومصدر حفاوة لدى كل المعلمين، وإضافة إلى ذلك فهي إبنة إمام المدينة المبجل وصاحب الحظوة والمقام الجليل.
أما هي فكانت طفلة عادية كسائر الأطفال، فلم تكن إبنة أحد الوجهاء او أصحاب النفوذ، وكانت تتسائل ببراءة الأطفال عن سبب ذلك التبجيل الذي تحظى به زمرة من أصدقاءها دونها والبقية! لم يكن قلبها الصغير قادرا على احتمال هذا الميز غير المبرر وهي التي سعت بكل جهدها للحصول على مثل هذه الحظوة ونجحت في انتزاعها انتزاعا نظرا لبراعتها في مادة التعبير الكتابي فحازت على إعجاب معلم العربية، الذي كان دائم الثناء على أسلوبها الماتع في سرد الأحداث وتصوير المشاهد بلغة سلسة جذابة.
ولقد كان هذا الشعور سببا في إدخال بعض الرضا في نفسها وهزم مارد الكراهية تجاه من يفقنها حظوة لدى المعلمات والمعلمين. ولعل أكثر شيء كان يدفعها إلى الإعتداد بنفسها والتحليق في سماء الكبرياء والزهوّ، هو حصولها الدائم على عدد ممتاز في مادة الإنتاج الكتابي وخروجها إلى السبورة لقراءة ما خطت يداها ذات الأصابع الخشنة الغليظة من أثر “الصقيع” الذي كان يشوهها كل شتاء.
كانت تتحول في فصل الصيف إلى فلاحة صغيرة، تسقي أشجار البرتقال وتجمع محصول البطاطا والطماطم والجلبان وكل ما جادت به الأرض الطيبة من خيرات. وكانت عطلتها الصيفية عبارة عن نشاط فلاحي بامتياز وما يصاحبه من تذمر وامتعاض أحيانا ومتعة أحيانا أخرى حين تكون رفقة أختها الصغرى تحولان الأصداف إلى أشخاص وتقيمان لهم الأعراس فتعلوا زغاريد الحاضرين، وهم من الأصداف أيضا، ويكتمل المشهد بقبلة بين العروسين…
كانت مغرمة إلى حد الجنون بقراءة كل ما يقع تحت ناظريها، جرائد، قصص، جذاذات، كل شيء، كل شيء، كانت تلتهم الكلمات ولا تقرأها، حتى أنها في أحيان كثيرة، تغلق بيت الراحة على نفسها وتجلس لساعات طويلة متجاهلة نداءات الاستغاثة الصادرة عمن أراد قضاء حاجته، حتى تنتهي من قراءة القصة التي أخذتها في غفلة عن أختها الكبرى.
غادرت أحلام مكتب صديقتها شاكرة ممتنة على أمل أن تتسلم بحثها في اقرب الآجال وبأبهى حلة بينما جلست هي تتصفح البحث وتسأل الله العون لإنجازه في أقرب فرصة. أمضت ساعات إضافية في العمل لمدة طويلة حتى تنجز الكتيب الذي عهد إليها من طرف صديقتها واجتهدت لتخرجه في أبهى حلة.
وكانت تلك خصلة تميزت بها في عملها وفي كل شؤونها. كانت صادقة إلى أبعد الحدود ولكنها منغلقة على عالمها الخاص. كانت شخصية مسالمة محببة ولكنها صعبة المراس في آن واحد. أكملت آخر صفحة من الكتيب فأرسلت زفرة طويلة ثم نظرت إلى ما أنجزت بعين راضية وجلست على الكرسي المتحرك ترتشف آخر قطرات قهوتها الباردة. شردت بذهنها في الماضي البعيد فعاد إلى مخيلتها موقف حدث لها مع والدة أحلام.
تذكرت ذلك الموقف فانتفضت وتساءلت ما الذي يدفعها الى تذكره الآن بعد كل هذه السنوات. كان يوما قائضا وكانت ترتدي نعلا بلاستيكيا، طلب إليهم المعلم أن ينجزوا ملفا لا تذكر تفاصيله الآن ولكنها اختيرت لتكون رفيقة أحلام في إنجازه. انطلقت الفتاتان نحو منزل أحلام، تلك الطفلة الوديعة اللطيفة، لإنجاز ما كلفتا به. كان منزل أحلام قريبا من المدرسة وكان البيت عبارة عن فيلا جميلة في مكان لا يقيم فيه الا ميسورو الحال وقتها. فتحت أحلام الباب الخارجي ودلفت الى شرفة البيت محيية والدتها التي كانت بصدد تنظيف ساحة الحديقة، ودلفت خلفها صديقتها فاصطدمت بنظرات الوالدة الباردة المتفحصة والمشمئزة في آن. أحست الطفلة بنظرات الأم كأنها صفعات على وجهها وانطلقت عبارات السخط والتبرم من خلال حركاتها دون ان تنبس ببنت شفة.
يبدو أن مظهر الطفلة البسيط ذات النعل البلاستيكي المتسخ بغبار الطريق، لم يرق للسيدة المتعجرفة، فأمرتها بصوت جاف موغل في الجفاف، بأن تغسل رجليها في الحوض الخارجي قبل الدخول الى المنزل. تساءلت الطفلة في نفسها الحائرة عن سبب هذا الإستقبال المهين؟ هل مظهرها مزرِِ الى هذه الدرجة كي تستنكف والدة صديقتها عن الترحيب بها بل وتهينها بهذه الطريقة المشينة؟
حبست الطفلة دموع قلبها الصغير ومنعت مآقيها من الانفجار بسيل جارف من ماء عينيها الحائرتين وامتثلت لأمر الأم الصارم فلقد افزعتها نظرات الاشمئزاز التي استقبلت بها ولم تبد ضعفها أمام صديقتها، فلقد تربت على عزة النفس واحترام الآخر حتى وإن أخطأ في حقها!
أحدثت تلك الواقعة ما احدثت في نفسها رغم اعتذار الصديقة عما قامت به والدتها، ولكن سبق السيف العذل. يا إلهي، لقد كانت تتوقع استقبالا لطيفا ومعاملة أفضل كونها ضيفة يحل ركبها لاو مرة بمنزل صديقتها؟. لم تكن تتوقع أبدا أن تهان أو تحتقر فهي لم تقترف ذنبا أو تؤذ أحدا؟ ضجت أفكارها وتضاربت مشاعرها وضاق صدرها بهذا الأذى الذي لحقها دون ذنب أو جرم. حزنت كثيرا وكتمت غيظها ولم تحدث أحدا بما لاقته في ذلك اليوم، لا أمها ولا حتى إخوتها. فتح باب الفيلا واستقبلت الصديقة كأفضل ما يكون ونصبت مائدة على شرفها في بيت أحلام، في بيت الأم المتعجرفة بما لذ وطاب من صنوف الأطعمة ! بدت في غاية اللطف والرقة.
كان هذا الاستقبال عربون شكر على إتمام البحث وتسليمه لصاحبته في أبهى حلة. فلقد اجتهدت الصديقة كي يكون في غاية الكمال والأناقة.
– “لقد تقدم بي العمر يا بنيتي ولم أعد قادرة على تنظيف البيت كما كنت أفعل وأنا شابة”!! جملة نطقت بها الام دون موجب ولم يكن الحديث يدور عن النظافة ولا عن شؤون البيت! لم تدر الصديقة لماذا قالت الأم تلك الجملة إلا أن يكون الله قد أنطقها بها ليذكرها بما فعلته مع تلك الطفلة التي لا ذنب لها سوى أن حذاءها كان متسخا!
لم يدر في خلد الفتاة أن الله جل وعلا كان يراقب ما حدث وأنه سبحانه وتعالى رتب كل الأحداث في حياة كلا الفتاتين، ليرد الإعتبار لتلك الطفلة التي أهينت دون ذنب ويكون تكريمها من نفس الشخص الذي أهانها دون أن تدرك أم أحلام أن من تجالسها الآن هي نفسها تلك الفتاة رثة الثياب مغبرة النعل!
فما أروع سنن الكون حين تنصف المظلوم ولو بعد حين وما أجمل أن يتنزل جبر الخواطر بتقدير رباني فيكون ترياقا لمن تأذى ذات غداة حد الإحتراق، فيكون بلسما يضمد جرحا فيلتئم ويبرأ فتشرق الروح أملا وحبا من جديد. إنه لطف رباني بعنوان جبر القلوب ومسح الدموع والألم ولو بعد طول إنتظار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *