يا ليت قومي يعلمون!

بقلم روضة المداغي 
لا أحد يستطيع أن ينكر، بعد كل ما أفضت إليه الأبحاث من حقائق في حادثة المدرسة القرآنية بالرڤاب/ سيدي بوزيد، أن هناك خروقات وتجاوزات ربما ترتقي إلى حد الجرائم في حق الطفولة. هذا لا اختلاف فيه ولا أحد يباركه. ما ندينه وبشدة هو كل هذا اللغط الذي أثير في الإعلام وعبر وسائل التواصل الإجتماعي وكيفية تعامل أجهزة الدولة ممثلة في وزارة الداخلية مع هؤلاء الأطفال واحتجازهم بدون علم أهاليهم! كان من الأجدر فتح تحقيق في الموضوع واتباع الطرق القانونية السليمة وإعلام أولياء أمور الأطفال بالأمر واتخاذ كل التدابير اللازمة دون إحداث كل هذه الضجة التي لن تزيد الطين إلا بلة! لم تخل تونس على مر عقود من حوادث تحرش واعتداءات جنسية على القصّر وآخرها حادثة اغتصاب 41 طفلا تونسيا من قبل شاذ فرنسي. ولكن إعلامنا اليقظ جدا والحريص على حقوق الطفل وغيرها من الشعارات الرنانة التي ترفع اليوم، لم يعر الموضوع اهتماما كبيرا بل نكاد نجزم أن الجريمة مرت مرور الكرام ولم نشاهد برنامجا واحدا سلط الضوء على طفل واحد من أولئك الأطفال ولم نر الوزارة توفر لهم الرعاية النفسية والبسيكولوجية اللازمة ولا حتى تعلم من هم تحديدا! هذه الإزدواجية الحادة في التعامل مع مثل هذه الأحداث، تدفعنا الى التساؤل عن سبب تسليط الضوء على حدث دون آخر والحال أن الأفعال تتشابه والمفعول به واحد!!! إن الحرب المخفية حينا والمعلنة أحيانا على الدين الإسلامي الحنيف من قبل فئة معينة من مثقفي البلاد واستهدافه بطريقة فجة وقحة، وهو براء من كل ما يأتيه البشر من أفعال تتنافى ومبادئه السامية والنبيلة، إنما هي محاولات بائسة وفاشلة لتجريم الدين والايحاء بأن كل ما اتصل به يفضي إلى خراب العقول وتقهقر الإنسان وارتداده عن الحضارة والعلم والمعرفة والأخلاق! وما إطلاق لفظ الظلامية والرجعية على كل من كانت له خلفية إسلامية، إلا دليل قاطع على تغلغل هذا الفكر القاصر عن إدراك عظمة ديننا الحنيف وسلامة تشريعاته وصلاحيته لكل زمان ومكان. فما يقترف من جرائم باسم الإسلام لا يجب أن يضع الإسلام في قفص الإتهام ولا أن يجرمه ولا أن يآخذ عامة المسلمين بجريرة فرد جانح أو مجموعة. ولكن يجرم من ارتكب الفعل بغض الطرف عن الدين. ولكننا للأسف نرى ونسمع ما لا يليق بالإسلام ممن يدعي أنه مسلم، ونراه يوجه سهام حقده إلى الدين ويضعه في نفس السلة مع من قَصُر فهمه عن مقاصد دينه وعدالته. فمثلا إذا أتى شخص يرتاد المسجد فعلا مشينا أو تجاوزا ما، يسارع مرضى القلوب وزائغي الأبصار إلى إتهام المساجد وتجريمها والمطالبة بغلقها أحيانا. أما إن أتى نفس الفعل شخص ما في مكان آخر، فإن الأمر يكون مقبولا وعاديا ولا يستدع نصب البلاطوهات التلفزية ولا يسيل حبر مرتزقة الإعلام والصائدين في المياه العكرة. ولا يمكن بحال من الأحوال ترذيل الدين واتهامه بأقذع النعوت ووصمه بالإرهاب والرجعية والظلامية والحال أن هذا الدين العظيم أخرج الناس من الظلمات إلى النور وارتقى بالنفس البشرية من العبودية والذل إلى الحرية والكرامة وحث على طلب العلم فكانت أول كلمة خاطب بها الله عز وجل رسوله الأكرم صلى الله عليه وسلم هي “إقرأ”. إن ما حدث في هذه المدرسة القرآنية من تجاوزات، ونحن في إنتظار مزيد الإثباتات، لا يمكن أن يقع إسقاطه على بقية المؤسسات التي تدرس القرآن ومناهج الدين والسنة النبوية الشريفة، ولا يمكن أن يكون ذريعة يتخذها أعداء الدين لشن حملاتهم المحمومة للمطالبة بغلقها. إن دور الدين في حياة الفرد من الأهمية بمكان ووجب على الدولة التونسية أن تحرص كل الحرص على إعادته للمكانة التي تليق به في برامجها التربوية لما له من دور إصلاحي رائد للنفس البشرية.لأن غرس المبادئ السامية في نفوس أطفالنا منذ نعومة أظفارهم، سيكون درعا لهم في مستقبل أيامهم ضد التشدد من جهة والانحلال من جهة أخرى. فتنشئة أجيال متوازنة قادرة على صنع الفارق وإثبات الذات لن يكون أبدا بمنأى عن الدين. ومن الغباء وقصور المعرفة مواصلة تهميش الدين من البرامج التربوية وتخصيص ضارب ضعيف للمواد ذات الصلة بالدين كالتربية أو التفكير الإسلامي.
فيا ليت قومي يعلمون!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *