الأمهات العازبات في تونس…ضحايا أم مذنبات

عندما يضطر الآباء لإصلاح ما أفسده الأبناء
عديدة هي شهادات الأمهات فأخذنا العينة الأكثر تعقيدا، "أمال" أم عزباء أصيلة محافظة  سليانة انقطعت عن التعليم في السابعة من التعليم الأساسي وتوجهت إلى محافظة صفاقس للعمل وفي الأثناء تعرفت إلى شاب وربطت علاقة معه استمرت 6أشهر وبعدها طلبت منه التقدم لخطبتها من العائلة.
ومن هنا تبدأ المفاجآت غير السارة حيث تقدم فعلا لطلب يدها لكن المعاشرة الزوجية قبل الزواج جعلتها تحمل ابنه في أحشائها قبل أوانه و في الشهر الثالث من الحمل وجدت  نفسها تواجه مصيرها لوحدها فلم تستطع التحدث لأحد لتطلب المساعدة فأعلمت والد خطيبها والذي تحدث بدوره لابنه بحثا عن حل لمسألة تورط فيها الشابين، فاصطحبها خطيبها لاحقا على أساس عقد قرانهما لكنها أمضت عن جهل ورقة مزورة. وعادت إلى البيت فأخبرت والدتها بأن عقد القران قد تم دون أن تشك ولو للحظة في لعبة خطيبها القذرة وتزوجا بطريقة محتشمة شبه موكب جنائزي.
وبعد أشهر من زواجها المزور علمت أن قرانها قد تم على ‹‹حموها›› لا على خطيبها المخادع فدار بينهما شجار عنفها على إثره والد خطيبها وشريكه في التزوير ثم رماها خارجا والدماء تكسوها، فتوجهت مباشرة إلى أبويها واصطحباها لتقديم شكوى في الغرض بمركز الأمن الوطني بسليانة.
فتمت مقاضاة المتهمين في قضية الزواج المزور والاعتداء بالعنف الشديد وقضت المحكمة بسجن الأب لمدة شهر وإيداع الابن بالإصلاحية.
وكخطوة ثانية نحو استرجاع حقوقها زارت المتضررة مكتب وكيل الجمهورية فوعدها بالقيام بالإجراءات اللازمة بعد الولادة لكن دون جدوى، بل عنفها بالضرب هو الآخر عندما زارته في مناسبة أخرى، فمنتهى الغرابة أن تعنف مواطنة من طرف ممثل العدالة وكيل الجمهورية كما عجزت عن الحصول عن اللقب العائلي لابنها.
ونظرا لصعوبة إمكانياتها المادية عاودت زيارة محافظة صفاقس وعملت كمعينة منزلية لتجميع مصاريف الولادة وبعد الولادة مباشرة عادت إلى حضن عائلتها لكن شرط أن تتخلى عن الطفل وهو ما لم تستطع فعله بعد أن ضحت بالغالي و النفيس لإنجابه…
وعن دور القضاء أوضحت المحامية درة الكرعودي أنه حاليا يوجد فقط قانون 1998 بخصوص الأم العزباء والذي يمكن الأم من رفع قضية للمحكمة الابتدائية بمجرد وجود دليل كالتحليل الجيني أو توافر شاهد فيتمتع الطفل بهوية وبنفس حقوق الابن الشرعي، وفي حالة أن الأم العزباء قاصر يمكنها رفع قضية بالأب البيولوجي فيلزمه القانون بالزواج منها أو مواجهة حكم سنة سجن فما فوق وهو حكم كاف لعدم العود.
علم النفس:الأم العزباء مهددة بالاكتئاب
أوضحت الأخصائية النفسانية بمستشفى الرازي فاتن اللوز أن الأم العزباء وابنها يعيشان ظروفا نفسية قاسية جراء نظرة اجتماعية مشحونة بالأحكام المسبقة إضافة إلى ظروف الأم الاقتصادية السيئة وتبقى الأم ذات الشخصية الضعيفة مهددة بالاكتئاب، كما نصحت الدكتورة بضرورة إخبار الطفل حقيقة قصة أمه منذ نعومة أظافره حتى يتعايش مع الحقيقة ولا يعاني من صدمة المفاجأة بمعرفتها في سن المراهقة فيعيش طيلة حياته في أكذوبة تنسجها الأم أو العائلة المتبنية في حالة تخلي الأم عنه كليا.
علم الاجتماع:معالجة المشكل أفضل من الحكم الأخلاقي
يرى الأستاذ في علم الاجتماع حسان الموري أن التعامل الأخلاقي مع الظاهرة يعقده فعبارة الوصم حتما سوف تنتج ممارسات أخرى مثل التخفي عن أعين المجتمع والمؤسسات الضاغطة وبالتالي نساهم من حيث لا ندري في تعقيد الموقف وليس حله، كما أن هؤلاء الأمهات اللاتي أنجبن خارج إطار الزواج ينحدرن من  أوساط اجتماعية فقيرة ومحرومة وذوات مستويات علمية متدنية مما يجعل فكرة الإجهاض مستبعدة وهو ما يزيد في تفاقم المشكل.
ويبقى الطفل هو الضحية الرئيسية الذي سيعاني من نظرة المجتمع وكذلك الأم التي تتخلى عنها العائلة فتواجه مصيرها بنفسها مما يفضي بها إلى الإجرام أحيانا إن أوصد المجتمع أبوابه في وجهها.
ملاحظة:الشهادات المذكورة هي من الشريط الوثائقي الصادر عن الجمعية الثقافية لتنمية حس المواطن حول الأمهات العازبات في تونس.

محرز العماري

محرز العماري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *