قانون الأوقاف في تونس..الدكتور منير التليلي:جهل المثقفين بمنظومة الأوقاف يمكن أن يكون سببا في عدائه

تمّ إيقاف العمل بالأوقاف منذ أكثر من خمسين سنة، طوال هذه الفترة وقع الاستيلاء على الكثير من أملاك الأوقاف بطرق غير شرعيّة…كيف سيتمّ التعامل مع هذا الموضوع؟

أولا:هذه المؤسسة العريقة في تونس هي امتداد لتاريخنا وحضارتنا العربية الإسلامية،وهي سنّة من سنن النبيّ-عليه الصلاة و السلام- لكن للأسف بعد الاستقلال كنّا ننتظر الاعتناء أكثر بهذه المؤسسات إلا انه بجرّة قلم رجل سياسة،اخذ القرار دون أن يستشير الشعب أو المجتمع المدني، وقام بحلّ هذه المؤسسة العريقة ،وفي اعتقادي هذا إجرام في حق المجتمع المدني .

ثانيا:نحن اخترنا شرح الأسباب حتّى لا يكون لهذا القانون مفعول رجعي، وبالتالي ليس لنا أية نيّة في استرجاع ما وقع حلّه، أو في استرجاع ما بقي إلى حدّ الآن،حتّى ما يسمّى -تصفية الأوقاف – بل بالعكس أردنا أن نبني هذه المؤسسة من جديد بإرادة حرّة من أبناء الشعب التونسي .

يرى بعض الساّسة أن عودة العمل بالاحباس أو الأوقاف يهدّد مدنيّة الدولة لفائدة دينيتها …ما هو ردّكم على هذا القول ؟

في تاريخ حضارتنا العربية الإسلامية، الدولة التي يعتقد البعض أنها دينّية هي في الحقيقة دولة مدنّية،لأنّ الدولة الدينيّة التي يتحدث عنها البعض في أوروبا هي الدولة التي ارتبط حكمها بالكنيسة (الحكم باسم الإله).

أما بالنسبة للحضارة العربية الإسلامية انطلاقا من دولة الرسول -صلّى الله عليه سلّم-في المدينة ومن تجربة الخلفاء من بعده لم يكن لأحد أن يشكّك في كونها كانت مدينة الرسول -ص- فقد كان يستشير أصحابه في كل كبيرة وصغيرة وكان يعمل برأيهم .

كذلك الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقولون "قوّمونا إذا رأيتم فينا اعوجاجا"ومنهم من يقول "قوّموني بحدّ السيف"وبالتالي العلاقة بين الشعوب و الحكام كانت مبنية على أساس التناصح أي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

لذلك لا يمكن أن نسوّي بين مفهوم الدولة المدنيّة عندهم والدولة الدينية عندنا أي ليس هناك صراع في مفهومه الشامل بين الدين و الدولة ،هذه نقطة الأولى.

النقطة الثانية،و المتعلقة بعودة العمل بالاحباس هل أنها  تهدّد مدنية الدولة لفائدة دينيتها؟ الأكيد "لا" لأنّ الأوقاف هو مشروع مجتمعي يهدف للتعاون مع الدولة للقضاء على مشاكل المجتمع المدني ويسهم في تقليل المصاريف على ميزانية الدولة …

وعندمّا نعود إلى التجارب المحيطة بنا سواء كانت في البلاد العربية الإسلامية أو في المجتمع الغربي فان هذه المشكلة غير مطروحة، بل على  العكس فالاقتصاد الغربي جزء منه قائم على الأوقاف،ففي الولايات المتحدة الأمريكية نجد حوالي مليون و400 ألف مؤسسة وقفية هدفها خدمة التعليم و الصحة والتنمية كذلك في انكلترا نجد ما يقارب 800 ألف مؤسسة ولم نسمع في إعلامهم حديث خطير يهدّد الدولة المدنية لذلك اعتقد أن هذه من الأخطاء الشائعة التي ينبغي مراجعة موقفنا منها

تطوّر العمل بالأوقاف في عدّة دول في العالم حتّى غير الإسلامية إلى درجة صار التعامل بالصكوك و الأسهم …فكيف يمكننا في حال العودة ردم الفجوة التي تفصل بيننا و بين ذلك التطور؟

المشروع الذي بدأنا في إعداده وأتممناه يتضمّن 159 فصلا، وحاولنا أن نستفيد من التشاريع المقارنة،و بالتالي هناك جديّة في مجاوزة صيغ الماضي.

 كما سعينا جاهدين إلى استثمار ما وصل إليه الفقه الإسلامي المعاصر وفتحنا مجالا لاستثمار هذه الأموال الموقوفة مع احترام شروط الواقف باعتباره شرط أساسي وهذا لم يمنعنا من أن نفتح مجال  استثمار الأموال بصيغ جديدة سواء تعلقت بالاستثمار في بعض منتجات المالية الإسلامية كبيع المرابحة أو الاستثمار في الأسهم أو في الصناديق الاستثمارية الوقفية وهذا يستدعي نشر هذه الثقافة لدى كل من يرغب أن "يوقف" أمواله ونتجاوز بذلك الصيغ التي كانت موجودة في السابق إلى صيغ جديدة تحقق المصلحة للجميع ( للواقفين,الموقوف عليه,الوقف ذاته) .

هل ترون أن التخوّف من العمل بمنظومة الأوقاف و الاحباس هو غير مبرّر وتحركه هو فقط "نعرات" معادية لكل منظومة إسلامية لاسيما وان عدة نماذج "وقفية" ناجحة مثل جائزة "نوبل" وكليات عملاقة "كالسربون" تسندها أوقاف؟

لهذا التخوّف أسباب تبررّه وأخرى لا تبررّه.

ممّا يبرّره هو جهل البعض وحتّى من المثقفين بمنظومة الأوقاف وبالتالي جهل الشيء يمكن أن يكون سببا في عدائه فالمسموع هو فقط حجج واهية قالها أولئك الذين تبنّوا مشروع القضاء على المؤسسة الوقفية و بالتالي لا بدّ من إعادة تثقيف الناس حول هذه المسألة .

وممّا لا يبرّره إذا كانت الأسباب فيها تجاذبات سياسية لانّ جزءا كبيرا منها يصبّ في "وادي" رفض هذا المشروع لمجرّد أن له ماض عندنا و له اتصال بديننا وثقافتنا لذلك في اعتقادنا الموضوعية العلمية تقتضي التعرف على هذا المشروع و على خفاياه حتّى نستطيع نقده أما أن نرفضه دون موجب فهذا غير مقبول .

و نحن مستعدون للمناقشة وتغيير ما يمكن أن تأتي به ملاحظات علمية رصينة في هذا المشروع.

شاهد الفيديو

الإعجاب و المشاركة:
fb-share-icon0
20

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Twitter20
Visit Us
Follow Me
139