2019 ستنجو من عرابي الفوضى و ترسو في بر الأمان

تكتبها بالنيابة روضة المداغي 
حلت علينا سنة 2019 وإن شاء الله تكون طالع خير على تونس وشعبها فيغاث فيها الناس وتفتح لنا أبواب السماء بالخير والرخاء بعد السبع العجاف في ظل محاولات الانقضاض على الثورة وتحويلها إلى دمار من قوى الردة والمتآمرين على ثورتنا من الأعراب المستبدين والقوى المهيمنة على العالم. ومع حلولها، اشرئبت الأعناق إلى موعد مهم ينتظره التونسيون المؤمنون بالصندوق وبالديمقراطية، ليضربوا موعدا جديدا مع ثاني انتخابات رئاسية وثالث انتخابات تشريعية تثبّت قدم تونس على طريق الديمقراطية. وهو لعمري إستثناء تونسي ومفخرة لنا كتونسيين في ظل ما تعيشه الدول العربية التي مر بها الربيع العربي من خراب وفوضى ودموية، بعد أن كانت ثورات سلمية أهم مطالبها الحرية والانعتاق من ربق الاستعباد والاستبداد والتسلط وحكم الفرد الواحد والحزب الواحد والعائلة الواحدة. ولكن عرّابي الفوضى والدمار بالتحالف مع المستبدين، حوّلوه الى خريف دامي استُنزفت فيه مقدرات الدول وازهقت فيه آلاف الأرواح البريئة ليظل بعض الطغاة عملاء الغرب جاثمين على صدور الشعوب وفي خدمة أسيادهم بينما لقى البعض الآخر حتفه وذهبوا الى مزبلة التاريخ المكان الأنسب لهم. لا يخفى على أحد إبان إنتخابات سنة 2011، وبعد فوز الإسلاميين، فَزعُ من يطلقون على أنفسهم لقب الحداثيين والتقدميين والديمقراطيين، فأعلنوا النفير العام وتنادوا إلى إنقاذ تونس من براثن “الظلاميين” وكونوا حزبا على عجل ليتصدوا به لهذا الخطر المحدق وليحموا مكتسبات المرأة من العبث والردة! وجاءت إنتخابات سنة 2014، بعد لأي وحوادث مؤلمة مرت بها تونس خلال ثلاث سنوات، حكم فيها الإسلاميون بمعية حزبين علمانيين (المؤتمر والتكتل) لمدة سنتين إلا نيف ومارست فيها قوى الردة أشد أنواع الهرسلة على الحكام الجدد والتجأت الى الجريمة المنظمة عبر اغتيال معارضين للحكومة وافتعال أحداث إرهابية راح ضحيتها خيرة قواتنا العسكرية والأمنية لإجبارهم على الخروج من الحكم لضمان الإفلات من العقاب. بعد تخلي الترويكا عن الحكم، تغليبا لمصلحة البلاد وحقنا لدماء الأبرياء، شكلت حكومة كفاءات لتسيير شؤون البلاد حتى موعد الانتخابات. كانت وعود الحزب الجديد وافرة ومسيلة لريق الاستئصاليين من اليسار الذين لطالما كانوا أداة بيد الطاغية يضرب بهم خصومه ويستعملهم “رادارات” في المؤسسات التربوية وخصوصا الجامعات يحصون تحركاتهم وينقلونها الى النظام ويتقاضون مقابل خدماتهم أجرا بحسب درجة الولاء وحجم “الصَّبّة”. ساندوا الحزب المرسكل من بقايا التجمع المنحل وأوصلوا مؤسسه إلى قرطاج وقطعوا الطريق أمام مرشح مثقف وشريف ودكتور وأرجعوا إلى الحكم المنظومة القديمة مستخفية وراء شعارات رنانة: إرهاب مؤقت، فقر مؤقت، زبالة مؤقتة، وكفاءات قادرة على تسيير أربع حكومات! هلل أدعياء الحداثة الزائفة من أيتام المقبور وعبيد المخلوع بهذا المولود الجديد وزعيمه “المقلد”، وانضموا له باختلاف مشاربهم واستبشروا بعودة روح الزعيم ممثلة في ذلك المَسْخ المتجلبب بجلباب البورڤيبية. صارت الإنتخابات وتخللها ما تخللها من خروقات وشراء لأصوات الناخبين البسطاء ممن يسهل استدراجهم بالمال ومن خلال بطونهم، ولم يسلم حتى الموتى فأدلوا بدلوهم ورجحوا كفة “الحداثيين المنقذين الأبطال” ليفوزوا بالمركز الأول ويستأثروا بالرئاسات الثلاث، والعجيب أننا لم نسمع أحدا يتحدث عن التغول والتفرد بالسلطة كما تحدثوا عنه زمن حكم الترويكا! بعد الفوز، أدرك ساكن قرطاج أن حزبه لن يكون قادرا على الحكم بمفرده، فاستنجد بالإسلاميين وقد حلوا في المركز الثاني، فقبلوا المشاركة مع خصم الأمس لتفادي ما كان يدبر بليل من خفافيش الظلام، وليشكلوا بعد ذلك حكومة ائتلاف وطني لمواجهة مسؤولية الحكم الجسيمة والتي ظنوها هينة في بلد خارج للتو من ثورة! كان هذا التوافق، المزعج لأعداء الإسلاميين، القشة التي قصمت ظهر البعير، فانسلخ من الحزب، الناشئ على عجل ودون برامج واضحة أو ربما بلا برامج من أساسه، كثير من القيادات و “المناضلين”، وكثيرا ما تساءلت ضد من ناضل هؤلاء واغلبهم خدموا العهد البائد وافنوا أعمارهم في “القوادة”!! تشققت أركان البيت الهش المبني على اللاشيء سوى التصدي للغريم البعبع، وكاد يسقط السقف على رؤوس أصحابه، وقام كل شق بفتح دكانه الخاص بشعارات أخرى ويافطات براقة وتشققت الشقوق بدورها وانسلخ منها من انسلخ ولم يبق في الحزب الأم إلا قلة قليلة ممن التفوا حول الوريث الغير مرحب به مما حدا بهم لتعزيز الحزب بنواب “الخر-طر”. لم تكن مشاكل البلاد ولا مشاغل العباد ضمن قائمة أولويات الحكام الجدد بل كان وجودهم سببا من أسباب تعفن المناخ السياسي ووصوله إلى أبعد من الحضيض وتوالت فضائح الجماعة وبان بالكاشف فساد فئة من منتسبي هذا الحزب وضلوعهم في كثير من العمليات المشبوهة. ولم يكن الإسلاميون بمنأى عن سهام الشريك العدو فقد نالهم ما نالهم من حملات التشويه والافتراء وتحميلهم مسؤولية إخفاقات الحزب المسيطر على الرئاسات الثلاث وأغلب الوزارات وصاحب الكفاءات والبرامج “إلي اتدوخ ” ومن أشد الأمور غرابة أن ينقلب حزب رئيس الحكومة عليه ويشيطنه لا لشيء إلا لأنه رفض تمشي الحزب ومهاترات إبن ساكن قرطاج الذي يظن أن السياسة بالوراثة ويريد الاستحواذ على ما تبقى من حزب السيد الوالد! ما يحسب للسيد رئيس الحكومة هو تغليبه لمصلحة البلاد على المصالح الضيقة والإرادة الصادقة التي نلمسها لديه لتغيير الأوضاع رغم العراقيل و “التعكيل ” واستقواء الدولة العميقة بترسانتها الإعلامية المسيطرة على المشهد العام وافتقار قوى الثورة لمنابر إعلامية صادقة قوية ومؤثرة بنفس المستوى. ولولا هذا الفضاء الأزرق لأكلت الثورة كما أكل الثور الأبيض ولأجهزت الأكاذيب والافتراءات على بعض الوعي الذي اكتسبه هذا الشعب طيلة هذه السنوات العجاف في ظل حكم النخلة. خلاصة القول وزبدته أن بلادنا تحتاج لأناس صادقين مخلصين وشرفاء همهم الوحيد من السلطة ليس الكرسي واغراءاته وبهرجه ولا النفوذ والجاه والسلطان، بل خدمة هذا الشعب المنكوب منذ نصف قرن أو يزيد، هذا الشعب الذي
نُهبت ثرواته وحُرم من طيب العيش، وحُوربت ثقافته الإسلامية السمحاء فأضحى بلا هوية ولا انتماء، وغُرّب عنوة ففسدت أخلاقه وتلاشت مبادئه وشارفت على الاندثار فتخلف عن ركب الحضارة والتقدم وانغمس في الدنيا وغفل عن الآخرة فغدا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كقشة تتقاذفها الأمواج هنا وهناك فلا تدري أين المستقر. لذا كان حريا بكل شرفاء هذا الوطن، ولا أظنه عاقرا عن إنجاب الشرفاء، أن يتنضموا في حزب قوي متماسك العٌرى واثق الخطى ثاقب الرؤى، مهما اختلفت مشاربهم، لإحداث التوازن المطلوب في المشهد السياسي ولخفض حظوظ الانتهازيين وسماسرة المناصب ووكلاء الإستعمار ووكلاء الاستحمار لعقول الناس، كي نعيد الأمل للأجيال القادمة في مستقبل مشرق وليطمئن كل غيور وطني على مصير هذا الوطن
 فهل من مجيب ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *