العلاقات بين تركيا و السعودية والإمارات من المنافسة إلى التقارب

يكتبها بالنيابة : لطفي بن رمضان
رافق الرئيس التركي وفد مؤلف من 200 من رجال الأعمال، وقد قام بالتوقف الأول في المملكة العربية السعودية حيث تم التوصل إلى اتفاقيات في مجالات مثل الدفاع والطاقة. وفي هذه الزيارة الثانية للمملكة العربية السعودية، يستمر رجب طيب أردوغان في سياسته للتقارب التي بدأت منذ أكثر من عام.
تحولت العلاقات بين تركيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في السنوات العشر الماضية تقريباً إلى ما يقرب من الصفر. ولكن بدأ التغيير في النهج السياسي قبل حوالي عام. خلال هذه الفترة، كانت العلاقات بين هذه البلدان مسيطر عليها التنافس والتوتر، خاصة بسبب اندلاع الربيع العربي. في ذلك الوقت، انتقدت المملكة العربية السعودية تركيا لدعمها لجماعة الإخوان المسلمين، مما أدى إلى تصاعد التوترات بين الدول.
ومع ذلك، حدث تغيير في النهج السياسي خلال العام الماضي. بدأ رجب طيب أردوغان، سياسة للتقارب مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. هدف هذه السياسة هو تحسين العلاقات وإعادة بناء روابط اقتصادية واستراتيجية أكثر قوة بين دول المنطقة.
وقد أدى هذا التحول إلى زيارة رجب طيب أردوغان للمملكة العربية السعودية، حيث ترافق بوفد ضخم من رجال الأعمال، وتم التوصل إلى اتفاقيات في مجالات مثل الدفاع والطاقة..
وهكذا، أتاح هذا التغيير في سياسة التقارب فرصة لكسر حالة التوتر السابقة والسعي لبناء علاقات أكثر بناء بين الدول المعنية.
سنحاول تحليل الأسباب وراء المنافسات والتقارب بين البلدان، مع التركيز بشكل خاص بين تركيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. سنقوم بدراسة العوامل السياسية والاقتصادية والجيوسياسية التي ساهمت في تشكيل هذه العلاقات على مر الزمن.
لفهم لماذا كانت هذه البلدان منافسة على مدى عقد من الزمن ولماذا حدث تغيير نحو التقارب، يمكننا استكشاف الأحداث التاريخية التي أثرت على العلاقات بينهما. قد يشمل ذلك تحليل دور الربيع العربي وكيف أثر على المواقف والمصالح للدول المختلفة في المنطقة.
كما يمكننا دراسة السياسات الخارجية والأجندات الإقليمية لكل بلد لفهم أفضل لأفعالهم ودوافعهم. قد تكون الاختلافات الأيديولوجية والقضايا الجيوسياسية الإقليمية مثل الأزمة في الشرق الأوسط، والديناميات الاقتصادية عناصر هامة جميعها تجب مراعاتها في تحليلنا.
وفي النهاية، سيكون من المناسب أيضًا دراسة التطورات الأخيرة والأحداث الرئيسية التي أدت إلى هذا التقارب. ما هي التدابير التي اتخذها الزعماء لتحسين العلاقات والتغلب على الاختلافات السابقة؟ ما هي المصالح المتبادلة والفوائد المشتركة التي دعمت هذا التغيير في السياسة؟
باختصار، ستسعى هذه المدونة إلى تقديم تحليل شامل للدوافع والعوامل التي لعبت دورا في المنافسات السابقة والتقارب الحالي بين تركيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. سندرس السياقات التاريخية والحاضرة لفهم الديناميات المعقدة للعلاقات الدولية في هذه المنطق
الأسباب السياسية
خلال العقود الأخيرة، شهدت تركيا تغييرات كبيرة في نظامها السياسي. انتقلت إلى نظام ديمقراطي جديد، في حين أن السعودية والإمارات العربية المتحدة هما نظامين ملكيين.
يمكن أن يُعزى التغيير السياسي في تركيا بشكل كبير إلى تطور القيادة في حكومة رجب طيب أردوغان، الذي تولى الحكم عام 2003. حزبه، حزب العدالة والتنمية ، تولى السلطة وبدأ بتنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية. واُعتبرت هذه الإصلاحات بشكل كبير تعزيزاً للديمقراطية في تركيا وتشجيعاً لفتح أكبر في المجال السياسي.
ويتناقض ذلك مع النظم الملكية في السعودية والإمارات العربية المتحدة، حيث تتمركز السلطة بين أيدي الملك أو الأمير، ويقوم النظام السياسي على أساس الملكية الوراثية.
ربيع العرب، الذي بدأ في عام 2010-2011، كان سلسلة من الانتفاضات الشعبية والاحتجاجات في عدة بلدان عربية، هدفها المطالبة بالإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. اُستُلمت هذه الأحداث بطريقة مختلفة من قِبَل حكومات المنطقة.
من جانب تركيا، عبر أردوغان وحكومته عن دعمهما لبعض الجوانب من ربيع العرب، خاصة للإخوان المسلمين، الذين سعوا للحصول على دور سياسي متزايد في العديد من البلدان التي تأثرت بها الاحتجاجات. ورأت السعودية والإمارات العربية المتحدة ذلك بصورة سيئة، حيث اعتبروا جماعة الإخوان المسلمين تهديداً لاستقرارهما الداخلي، حيث يُنظر إلى هذه الحركات عادة على أنها إسلامية وتسعى لتحدي الأنظمة القائمة.
رأت الأنظمة الملكية في المنطقة في ربيع العرب تهديداً محتملاً لاستقرارها الخاص، حيث اختلجت مخاوفها من أن التطلعات الديمقراطية للمحتجين قد تمتد إلى بلدانها الخاصة وتسأل عن سلطتها وسلطتها.
وبالتالي، أدت التغييرات السياسية في تركيا والدعم المعلن لبعض جوانب ربيع العرب إلى خلق توترات وتراشقاً بالاتهامات بين تركيا والسعودية والإمارات العربية المتحدة، مما ساهم في المنافسات السياسية التي علمت علاقاتهم خلال هذه الفترة. رأت الأنظمة الملكية هذه التغييرات تهديداً محتملاً لاستقرارها الخاص وتعتبر النفوذ التركي المتزايد في المنطقة مثيراً للقلق.
بالفعل، سياسيًا، كانت دول الخليج ترتبط تاريخيًا بشكل وثيق بالولايات المتحدة من حيث الوصاية والحماية. يعود ذلك إلى فترة الحرب الباردة عندما سعت الولايات المتحدة إلى إقامة تحالفات استراتيجية في المنطقة لمواجهة نفوذ الاتحاد السوفيتي. تعززت هذه العلاقة مع الوقت، بشكل رئيسي بسبب الاهتمامات الجيوسياسية والاقتصادية الهامة في المنطقة، بما في ذلك الاحتياطات الهائلة من النفط.
على مدى العقود العديدة الماضية، لعبت الولايات المتحدة دورًا أمنيًا حاسمًا في الخليج، حيث قدمت ضمانات أمنية واتفاقات تعاون عسكري، ونشرت قواعد عسكرية في المنطقة. استفادت دول الخليج من الوجود العسكري الأمريكي، الذي ساهم في حمايتها من التهديدات الخارجية والحفاظ على الاستقرار في المنطقة.
ومع ذلك، تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وبعض دول الخليج تقلبات. اتبع ترامب نهجًا للسياسة الخارجية يركز على الأحادية، مما أثار تساؤلات حول بعض التزامات أمريكا تجاه حلفائها، بما في ذلك في منطقة الخليج. عبر عن آرائه النقدية بشأن اتفاقات الدفاع والتكاليف المرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
كان من بين النقاط الرئيسية لهذه السياسة هو سحب بعض أنظمة الدفاع الصاروخي مثل منظومات صواريخ باتريوت الأمريكية المنتشرة في دول الخليج، بما في ذلك المملكة العربية السعودية. أثار هذا الموضوع مخاوف بين دول الخليج بشأن مدى ضمان أمنها في مواجهة التهديدات الإقليمية، خاصة من إيران.
أدت قرارات سحب بعض أنظمة الدفاع الصاروخي والبيانات التي أثارت شكوكًا بشأن التزام الولايات المتحدة تجاه المنطقة إلى تكوين شكوك حول موثوقية حماية الولايات المتحدة لدول الخليج. دفع ذلك بعض هذه الدول إلى البحث عن بدائل في مجال الأمان، بما في ذلك تنويع شراكاتها والبحث عن حلول دفاعية مستقلة.
يجدر بالذكر أن العلاقات بين الولايات المتحدة ودول الخليج تطورت مع تولي إدارات جديدة المسؤولية، كما هو الحال في أي علاقة دولية. ومن الممكن أن تكون نهج السياسة الخارجية لإدارة الولايات المتحدة الحالية مختلفة عن تلك للإدارة السابقة.
باختصار، كانت العلاقات السياسية بين دول الخليج والولايات المتحدة مميزة بالوصاية والحماية الأمريكية لفترة طويلة، ولكن تحت إدارة دونالد ترامب، شهدت بعض الهزات والشكوك، خاصة بشأن الوجود العسكري الأمريكي وأنظمة الدفاع المنتشرة في المنطقة. أدى ذلك إلى نشوء قلق بين دول الخليج بشأن أمانها ودفع بعض هذه الدول للنظر في خيارات أخرى لتعزيز قدرتها الدفاعية الخاصة.
أحد القلق الرئيسي والأخطار التي واجهتها دول الخليج هو تصدير الثورة الإيرانية. يرتبط هذا القلق بشكل خاص بإيران، التي تعتبر من اللاعبين الرئيسيين في المنطقة والتي يقوم نظامها السياسي على أساس شكل من أشكال الحكم الإسلامي.
حدثت الثورة الإيرانية في عام 1979. أدت إلى تغيير جذري في نظام الحكم في إيران، حيث أقيم نظام يستند إلى مبادئ الإسلام الشيعي.
منذ ذلك الحين، سعت إيران إلى توسيع نفوذها في المنطقة من خلال دعمها للجماعات والحركات التي تشارك رؤيتها السياسية والدينية، بخاصة الجماعات الشيعية. وقد أدى ذلك إلى تصاعد التوترات مع دول الخليج، حيث معظمها ذات أغلبية سنية.
اتُهِمت إيران بدعم الميليشيات والجماعات المسلحة في دول أخرى في المنطقة، بهدف تقويض الحكومات الحاكمة وتعزيز مصالحها السياسية. تم اعتبار هذه الأنشطة تدخلاً في الشؤون الداخلية للدول المجاورة وتهديدًا لاستقرارها وأمانها.
كانت إيران نشطة بشكل خاص في دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن، حيث قدمت الدعم للميليشيات والجماعات السياسية المرتبطة برؤيتها الأيديولوجية والسياسية. أدت هذه الإجراءات إلى تصاعد التوترات بين إيران ودول الخليج، وساهمت في زيادة المنافسات الإقليمية في المنطقة.
وبالتالي، تعتبر دول الخليج تصدير الثورة الإيرانية تهديدًا جديًا لأمانها واستقرارها. تخشى أن تزداد النفوذ المتزايد لإيران في المنطقة ودعمها للجماعات المسلحة أن يؤدي إلى زيادة التوترات والنزاعات الداخلية في بلدانها.
في ظل هذه المخاوف، سعت دول الخليج إلى تعزيز التعاون الأمني من خلال إقامة التحالفات وطلب الدعم من القوى الأجنبية، بما في ذلك الولايات المتحدة. كما اتخذت إجراءات لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، بما في ذلك دعم الجماعات والحكومات التي تعارض إيران.
بالفعل، عدة عوامل ساهمت في التقارب بين دول الخليج وتركيا. تتضمن هذه العوامل الأزمة الاقتصادية في تركيا، والفراغ الأمني الذي تركه انسحاب الولايات المتحدة جزئيًا، والضعف المشاعر تجاه روسيا في بعض المجالات، بالإضافة إلى التهديدات الإقليمية الناشئة من إيران.
الأزمة الاقتصادية في تركيا
مرت تركيا بفترة من الأزمة الاقتصادية والمالية الخطيرة خلال السنوات الأخيرة. كان تخفيض قيمة الليرة التركية مقابل الدولار الأمريكي، وارتفاع معدل التضخم، والعجز المالي ومشاكل الديون يؤثرون على الاقتصاد التركي. تواجه تركيا في مواجهة هذه التحديات، السعي لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية مع دول أخرى، بما في ذلك دول الخليج، لجذب الاستثمارات وتحفيز النمو الاقتصادي.
الفراغ الأمني الذي تركه انسحاب الولايات المتحدة
بعد التوترات بين الولايات المتحدة وبعض دول الخليج، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، واجهت هذه الدول انسحابًا جزئيًا للولايات المتحدة من بعض القضايا الأمنية الإقليمية. وأدى ذلك إلى خلق فراغ أمني وعدم اليقين بشأن الحماية والاستقرار في المنطقة. واستجابةً لذلك، سعت دول الخليج إلى تنويع تحالفاتها والبحث عن شركاء جدد لتعزيز أمانها.
الضعف المشاعر تجاه روسيا
على الرغم من أن روسيا قد زادت تواجدها الإقليمي ولعبت دورًا نشطًا في بعض النزاعات في الشرق الأوسط، إلا أن بعض دول الخليج ربما استشعرت بعض القيود في تأثير روسيا والتزامها في المنطقة. وبالتالي، سعت هذه الدول إلى إقامة علاقات مع أطراف إقليمية أخرى، بما في ذلك تركيا، التي أظهرت استعدادًا أكبر للتدخل في النزاعات الإقليمية.
التهديدات من إيران:
كانت التوترات والتنافس بين إيران وبعض دول الخليج مصدر قلق لهذه الدول. وأثارت المخاوف حول الطموحات الإقليمية لإيران وأنشطتها المستقرة مشاكل لدول الخليج، دفعتها إلى البحث عن شركاء استراتيجيين للتصدي للتهديدات المتصاعدة. في هذا السياق، رآت تركيا بوصفها دولة يمكن أن تكون لها دور وسيط وقوة موازية لمواجهة إيران.
بفضل هذه العوامل، سعت دول الخليج وتركيا إلى تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية بينها. قامت بخطوات لحل التوترات الماضية وسعت إلى التعاون في مجالات مثل التجارة والأمن الإقليمي والاستثمارات. تم التقارب بين دول الخليج وتركيا بناءً على المصالح المشتركة تجاه التحديات الاقتصادية والجيوسياسية في المنطقة.