تحت أنظار نواب الشعب .. محافظ البنك المركزي يهدي اقتصاد تونس للدوائر المالية الدولية

بقلم جنات بن عبد الله

جاءت كلمة محافظ البنك المركزي مروان العباسي في الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب المنعقدة يوم الجمعة 21 ماي 2021 ترجمانا للبرنامج الإصلاحي الذي توجهت به حكومة المشيشي الى واشنطن يومي 3 و4 ماي الجاري للتفاوض مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 4 مليار دولار لتمويل ميزانية الدولة لسنة 2021 ، حيث قدم قراءة للوضع الاقتصادي من زاوية  السلطة النقدية وعرض توجهات السياسة النقدية وسياسة الصرف للبنك استنادا لقانون استقلالية البنك المركزي الذي جاء بناء على التوجه الليبرالي الذي انخرطت فيه تونس منذ سبعينات القرن الماضي مع الهادي نويرة وتعمق مع أول برنامج إصلاحات هيكلية أقرها صندوق النقد الدولي مع أزمة المديونية في تونس في سنة 1986 .

وبكثير من الهدوء وكثير من التباهي أعاد محافظ البنك المركزي عرض الخطوط العريضة للسياسة النقدية المتشددة للبنك التي وصفها بالناجعة والفعالة خاصة وأنها أنقذت البلاد من تضخم بأربعة أرقام، حسب تحليله.

وبكثير من الهدوء تحدى محافظ البنك المركزي الذين يطالبون بمراجعة العلاقة مع صندوق النقد الدولي والتقليص من اللجوء الى الاقتراض الخارجي مطالبا إياهم بالبديل القادر على توفير الاعتمادات العاجلة لميزانية الدولة.

وفي هذا السياق لم يتردد في تحميل مسؤولية تردي الوضع المالي والاقتصادي الى عدم الاستقرار السياسي، وعدم الاستقرار الاجتماعي أيضا المتميز بالمطلبية، نافيا عن الإصلاحات الهيكلية مسؤوليتها في ذلك رغم استكمال السلطة التنفيذية ارساء الترسانة القانونية التي جاءت بها هذه الإصلاحات في مجال المالية العمومية والاستثمار بما يفترض تسجيل تحسن للوضع الاقتصادي ، بالتوازي مع الانتهاء من وضع الترسانة القانونية المتعلقة بتحرير الخدمات المالية التي سيتم طرحها في المفاوضات الجارية مع صندوق النقد الدولي في ظل إعادة تعهد البنك المركزي بتكريس قانون استقلالية البنك المركزي رغم الدعوات المتصاعدة المطالبة بإلغائه.

وبعيدا عن الجدل الذي انطلق ولا يزال قائما حول جدوى قانون استقلالية البنك المركزي في بلد فقد اقتصاده كل مقومات المنافسة، وفقدت عملته قيمتها ليتحول الى سوق استهلاكية وخزان لليد العاملة ذات الأجر التنافسي كما جاء بالنقطة 1 من البرنامج الإصلاحي الحكومي الذي كشف، وبصفة نهائية، عن حقيقة منوال التنمية الجديد الذي يقوم على الغاء دور الدولة التنموي والاقتصادي والاجتماعي لفائدة القطاع الخاص واليات السوق التي تخضع لقوانين وضعت لحماية مصالح الاستثمار الأجنبي ورأس المال العالمي والشركات العالمية تم تمريرها بعد انتخابات سنة 2014 وخاصة في عهد حكومة يوسف الشاهد في اتجاه رفع احتكار الدولة في المجالات الاستراتيجية والحيوية دون مراعاة هشاشة البنية الاقتصادية ونسيجنا الاقتصادي الذي اندثر لفائدة أنشطة تعمل في اطار المناولة التي قضت على كل السياسات القطاعية لتكريس التبعية للاقتصاد الأوروبي الذي بدأ في استعادة أنفاسه بعد جائحة كورونا من خلال إعادة استقطاب شركاته من الصين الى السوق الأوروبية في اطار استراتيجية أوروبية اختار حكام تونس الجدد هيكلة اقتصادنا على فتاتها عوض إعادة الاعتبار للقطاعات المنتجة من فلاحة وصناعة وخدمات بما يستجيب مع أولوياتنا التنموية وليس حاجيات الطلب الخارجي.

محافظ البنك المركزي أغلق كل الأبواب التي يمكن أن تشكل مخرجا لأزمة بلادنا المالية باستثناء باب صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي بما يفتح الطريق أمام رأس المال العالمي والشركات العالمية بإحكام قبضتها على الاقتصاد الوطني والشعب التونسي الذي رغم ثورته على الاستبداد والدكتاتورية فقد تم استدراجه الى استبداد ودكتاتورية المؤسسات المالية الدولية والشركات العالمية في حين أن المخرج الوحيد من الركود الاقتصادي يمر عبر تحفيز القطاعات المنتجة وتقديم الحوافز المالية والجبائية لها وتقليص التوريد وإعادة الاعتبار للدينار التونسي واتباع سياسة نقدية غير متشددة.

من جهة أخرى، وفي باب التقدم في مجال التحرير المالي الخارجي، ولئن اعترف محافظ البنك المركزي بأن هذا المستوى المتقدم من التحرير شهدته خاصة البلدان الصناعية الكبرى أو تلك التي ضمنت حماية اقتصادها من خلال انخراطها في تجمعات اقتصادية، كما جاء في الوثيقة التي طرحها البنك المركزي في الجلسة العامة ليوم الجمعة 21 ماي 2021 ، فانه لم يتردد بل تباهى بتعهد البنك المركزي تجاه صندوق النقد الدولي باستكمال تحرير المعاملات المالية الخارجية رغم تدهور كل المؤشرات الاقتصادية والمالية في البلاد من نسبة نمو وقيمة الدينار، وتفاقم لنسبة التداين الخارجي وارتفاع للعجز الجاري…لنتساءل عن أسباب هذه الهرولة نحو تحرير المعاملات المالية الخارجية في غياب مقومات حماية الاقتصاد الوطني والقطاع المالي من الوقوع في قبضة رأس المال الأجنبي والدوائر المالية العالمية.

ان الترويج لتحرير المعاملات المالية الخارجية من زاوية ما يوفره من شروط ضرورية لتعبئة رأس المال الخارجي لتمويل الإصلاحات والاستثمار، كما جاء في وثيقة البنك المركزي، في ظل اقتصاد مرهون للبنوك المحلية والمؤسسات المالية الدولية يدفعنا الى التساؤل عن مدى التزام محافظ البنك المركزي باليمين الدستورية التي أداها عند تسلمه لمهامه.

الإعجاب و المشاركة:
fb-share-icon0
20
Twitter20
Visit Us
Follow Me
139