تحليل: قراءة في واقع الحال و آفاق التغيير في تونس

الامجد حجلاوي

الامجد حجلاوي

المتأمل في وضعية بلدنا الحبيب و ما يعيشه هذه الأيام من شد و جذب بين دعاة استكمال مؤسساته الدستورية و السياسية للتفرغ للقضايا الاجتماعية و الاقتصادية و البحث عن حلول جذرية لمشكل التنمية الذي بقي يراوح مكانه منذ عشرية كاملة.
هذا الوصع المتأزم حرم الوطن و أبناءه من تفعيل ما تصوروه ممكنا بداية من الثورة و الذي يتمثل أساسا في تعديل المنوال التنموي القائم، المستنزف لكل طاقاته الاقتصادية .
أزمة البلد لمن يعلم جيدا، بدأت مع الهادي نويرة بتفكيك اسس الدولة الوطنية التي شيدها المرحوم أحمد بن صالح، رغم محاولات المرحوم محمد مزالي، إلا أن التدخل الفرنسي الفج منع من استكمال ما بدأه الرجل و حاول تطويره في أواخر الثمانينات. و تواصل نظام الكارتيل الاقتصادي، بل تطور إلى نظام مافيوزي مقنن كما وصفه سفير الاتحاد الاوروبي مؤخرا. هذا النظام تواصل لما بعد الثورة مستندا إلى غياب استراتيجية وطنية تخدم الشعب، ليكرس سيطرة عائلات مرتبطة بالمستعمر على مقدرات البلد في حرب شعواء على كل محاولة جدية لتغيير أسسه.
هذا التغيير الذي طال انتظاره كانت بشائره صمود الجار الليبي أمام محاولات الردة التي تزعمتها فرنسا و الكيان الصهيوني و ذيولهما مصر و الامارات. كان سقوط الغرب الليبي من حسابات فرنسا و خصوصا قاعدة الوطية، ضربة قاصمة لطموحات هذا المستعمر في الاستحواذ على قاعدة مراقبة لكل العمق القاري و شمال افريقيا بسبب أن القاعدة تتميز بموقع استراتيجي يقع في اقصى الجنوب الغربي الليبي و يطل على الجنوب التونسي.
وهذا ما جعل الاتراك يحوّلون هذه القاعدة الى واحدة من اقوى القواعد في افريقيا على مستوى التجسس والاستعلامات. هنا ادركت فرنسا أنها في عنق الزجاجة لا سيّما وانها تسيطر على الموارد الباطنية في مدينة غدامس القريبة من الوطية التي بدورها تعتبر مورد طاقي هائل.
هذا المعطى أجبر ساسة الايليزيه الى إتخاذ عديد التدابير ومنها الاستعداد لانزال قوات فرنسية في قاعدتين في الجنوب التونسي عملا بوثيقة العار التي وقعها الباي سنة 1881 التي تنص بصريح العبارة على امكانية انزال فرنسا لجنودها في تونس تحت أي ظرف و دون سابق انذار للسلطات التونسية سعيا منها للحفاظ على مصالحها خصوصا و أن تحركات شباب الكامور بولاية تطاوين للمطالبة بحصة المدينة من مواردها الطبيعية والكشف عن عقود النهب المبرمة مع الدولة سيئة الذكر. الجزائر وقع اعلامها رسميا من طرف فرنسا بتحرك باريس المرتقب واعادة احتلال جنوب تونس ، وكانت هذه الخطوة الفرنسية تهدف الى حصار حكومة طرابلس وداعميها من خلال محاصرتهم بالسيطرة على الحدود الجنوبية لتونس مع التنسيق مع النظام المصري وبذلك يتحقق هدف حصار ليبيا من الشرق والغرب ويقع اعادة خلط الأوراق من جديد و اعادة تمويل حفتر تمهيدا للزج بليبيا في أتون حرب أهلية ثانية تدمر ما تبقى منها وطنا وشعبا. الوضع الجديد الذي لم يقرأ له ساسة الاليزيه و أجهزة المخابرات الفرنسية حسابا توقيع تونس عن طريق الباجي قايد السبسي حزمة من الاتفاقيات العسكرية مع الولايات المتحدة، تدخل بموجبها تونس في تحالف عسكري معها و تتيح لها التموقع في الجنوب التونسي و بذلك تصبح اتفاقية الحماية شبه لاغية.
هذا المعطى هو ما جعل الانقلابيين مؤخرا يهاجمون الولايات المتحدة و يتهمونها اتهام مباشرا وصريحا بتمويل الارهاب ( عبير  و مموليها و حلفائها). اضافة لهذا، تدخل فرنسا بورقة جديدة و هو الرئيس الزقفونة ( تطبيقا حرفيا لطريقة دخوله في الحياة السياسة على ظهر المخابرات الفرنسية) .
هذا الرجل، بدأ بتطبيق أوامر المقيم العام الفرنسي حرفيا و زاد في تعنته من خلال عدم قبوله بأي تسوية سياسية مع الحزام السياسي لرئيس الحكومة، العالم بكواليس اتفاق الزقفونة مع الفرنسيين و الملم بكل أنشطة الرجل التخريبية للتجربة التونسية باعتبار و أنه كان قبل ذلك مستشاره القانوني و وزير الداخلية. الوضع في تونس صار اقليميا بامتياز و فيه تتصارع قوى داعمة للمسار الديمقراطي رغم كلفته الانية لانه السبيل الوحيد لاخراج البلد من التبعية الاقتصادية لاوروبا و الذي سيمكنها من خلال حلفها الجديد من خلق منوال تنموي جديد و مشاريع اقتصادية من الخروج ليس فقط أزمته الاقتصادية، بل سيكون من أقطاب القارة اقتصاديا و صناعيا و تكنولوجيا.
هذا الحلف يسعى لربط تونس بمحيطها الاقليمي ليبيا و الجزائر ليكونوا قاطرة لكل القارة الافريقية في الاقتصاد و الرقي. في مقابل ذلك، تسعى فرنسا و أذيالها في تونس في تحالف غريب مع الكيان الصهيوني و أذيالهما مصر و الامارات للابقاء على الوضع الحالي بل و السعي لتعفينه أكثر عن طريق أدواتها المحلية للحيلولة دون خروج هذا الاقليم من تحت سيطرتها و هو ما سيعني آليا انكفاء المستعمر السابق على ذاته و خروجه من الدول ذات الثقل الاقتصادي و العسكري في البحر المتوسط و كل القارة.
لهذا السبب و أسباب أخرى تخص الحلف الجديد الساعي لاستقطاب البلد، التجأت مكوناته ( تركيا، الولايات المتحدة، بريطانيا، ألمانيا….. ) إلى المرور بالقوة القانونية للحيلولة دون بقائه في العطالة السياسية و المؤسساتية إلى محاولات فرض المحكمة الدستورية التي ستجنب البلاد الوضع اللبناني الذي تسببت فيه باريس عن طريق عملائها من رئاسة و أحزاب تدور في فلكها و فلك حلفائها المذكورين.
الحل ؟! نظرا لمعرفة داعمي المسار الديمقراطي و خصوصا الامريكيين للتغلغل الفرنسي داخل مفاصل البلد، فإن المسألة القانونية في كل ما يقومون به لاخراج المستعمر الفرنسي، الذي ساهم بكل أنواع السرقات و البلطجة ، من اوكد الاولويات، و هنا كان التركيز على مجلس النواب ساحة الصراع القانوني بين المشروعين. هذا المجلس على علاته، له مسؤولية جسيمة في المضي قدما نحو اقرار أول مؤسسة دستورية وطنية و هي المحكمة الدستورية، الوحيدة القادرة على الغاء كل اتفاقيات العار مع فرنسا.
نأتي الآن للشركاء غير السياسيين، اتحاد الشغل، رغم التناقضات و الاختراقات التي يعيشها من طرف أنصار الخيار الفرنكوفوني، بانحيازه الى المضي قدما نحو هذا الخيار، قد زاد في زاد في عزلة فرنسا داخل الاقليم و بذلك تصبح فرنسا و من والاها خارج سياق الأحداث ولم تعد سوى تفصيل صغير في النظام العالمي الجديد. لسائل أن يسأل ما مصلحة الولايات المتحدة في دعم الديمقراطية في تونس و ماذا سيستفيد وطننا. الاجابة هنا هي فيما تخطط له الولايات المتحدة لتونس بأن تكون قاعدة متقدمة لكل المشاريع الاقتصادية في ليبيا ، و ايجاد موطئ قدم لتركز الصناعات و الاستثمارات الامريكية في بلد أجمع كل الخبراء على حيازته لكل أسباب التطور من موقع استراتيجي و يد عاملة مختصة و رخيصة مقارنة باليد العاملة قي بقية دول الاقليم.
الاكثر أهمية من ذلك، أن الولايات المتحدة لها رؤية شاملة للقارة الافريقية و تمترس الصين و روسيا بها تحت غطاء و تعاون مع الفرنسيين. و هذا ما يوجب تدخلها المباشر من خلال خلق نموذج اقتصادي على طريقة دول النمور الاسيوية داخل افريقيا حتى توقف أي زحف للتنين الصيني و هو ما يقتضى طرد فرنسا المساهم الرئيسي في محاولة اسقاط القارة، الغنية بكل الموارد البشرية و الطبيعية، داخل الحضن الصيني.
و بعد خروج تقارير لمراكز دراسات أمريكي مرموق أن من بين أسباب منح الولايات المتحدة حماية لتونس من خلال الاتفاقية الجديد، هي حمايتها من المخاطر التي ستتسبب بها فرنسا بعد أن أكدت الدراسات أفول نجم الديك الفرنسي كلاعب دولي و تقوقعه و ربما دخوله في حرب طاحنة داخلية لا يستطيع أحد التكهن بطريقة حدوثها في صورة مواصلة التدهور الحالي سيكون في 2027 و اليوم، الحرب اصبحت معلنة من واشنطن على باريس في تونس و مسألة خروج الأخيرة وفقدانها السيطرة على أهم مستعمراتها يعتبر مسالة وقت لا أكثر و لا أدل على ذلك غلق أكبر مقر خارجي للمخابرات الفرنسية و هو موجود بتونس https://youtu.be/MWh9ojC7PQ8 و كان هذا سببا لتصاعد التوتر الداخلي الفرنسي و تصعيد القياديين اليمينيين بالجيش الفرنسي للغتهم ضد الحكومة المدنية هناك و بدأ عسكرة الدولة باتجاه حلم كاذب في استنساخ جان دارك جديدة ( لوبان) و محاولات الدخول في مواجهة عسكرية مع الجزائر ( بعد استحالة ذلك مع تونس نظرا للغطاء العسكري الأمريكي) و تهديدها بنقل المسلمين الفرنسيين للجزائر باعتبارهم أغرابا عن الثقافة الفرنسية، تحت عنوان القانون الجديد لحماية الجمهورية المزعومة. زد على ذلك ما تناهى مؤخرا عن التراجع عن عقد القمة الفرنكوفونية بتونس و تحويل وجهتها للمغرب التابع للحلف اللرنسي الصيني https://youtu.be/xzn_J2V1rCo من ناحية الوطنيين ، فإن هذه الفرصة مواتية لكنس فرنسا الجاثمة على البلد ، و لو عن طريق وكلائها ، و جلب الاستثمارات الامريكية التي ستمكن من تغيير وجه تونس في أقل من عشرية. معطيات جِدُ مهمة لأن هدف الولايات المتحدة ليس احتلال تونس وهي القادرة على ذلك، بل التعاون معها لصناعة قطب صناعي و تكنولوجي و عسكري داخل القارة السمراء تكون قاعدته تونس و يكون قادرا على الوقوف ندا لكبرى اقتصادات العالم و تكون حليفا اقتصاديا موثوقا للولايات المتحدة في التحديات التي تواجهها داخل القارة الافريقية التي وجب أن تلقى البديل الاقتصادي. و حين الحديث عن هذا، لا يجب تناسي الثقل الديمغرافي للقارة و التي تمثل ثاني أكبر سوق واعدة في العالم بعدد سكان يتجاوز المليار نسمة.
لكل هذا، ستتبخر كل اشلاء الاحزاب المدعومة من فرنسا و سنشهد سقوط رؤوس ما كانت لتسقط أبدا لولا الواقع الجديد الذي قلب السياسة الدولية رأسا على عقب. و سنتجه بعد المحكمة الدستورية ، إلى تغيير القانون الانتخابي و ساعتها يمكن فعليا كنس فرنسا و بيادقها بالقانون. و لن تكون قادرة على تحريك عجلة الارهاب الاقتصادي و التجويع و تعفين الوضع من خلال الاغتيالات بسبب دخول لاعب جديد له معنا مصلحة و يتعامل مع تونس الند للند و ليس كتابع كما تعودت به فرنسا مع أذنابها. قبل أن أختم، أعطيكم لمحة جديدة عما يحوكه دخاقنة السياسة الأوروبية بقيادة ألمانيا، منعا للانهيار الاوروبي القادم، يتداول و بجدية التدخل الاوروبي هناك في فرنسا و ستعلمون النتيجة التي توصلت لها و التي ستكون زلزالا عالميا بعد نشر تقارير أن الانهيارات في فرنسا لم تعد تحتسب بالسنوات بل بالثلاثيات و للحديث بقية.
الإعجاب و المشاركة:
fb-share-icon0
20
Twitter20
Visit Us
Follow Me
139