في العرض والطلب

يكتبها بالنيابة : عادل القلمامي

 عندما يفتح احدهم دكانا في الحي ويحتكر كل السلع لديه ليبيع منها ما يشاء بالسعر الذي يرضيه، فان سكان تونس لا يجبرونه على الرحيل ولا يقاطعونه ولا ينافسونه – خوفا من الافلاس او من بطشه – بل يبحثون عن تجارة موازية في دكان او دكاكين خلفية في زوايا مظلمة من انهجهم المفقرة يتمعشون منها ويعدلون بها “السوق”.
ذاك هو التونسي العميق وتلك هي استرتيجياته التي اكتسب خبرتها بالزمن وبالتجارب… بن علي في عز سطوته لم يكن قادرا على جلب التونسيين للانتخابات وعلى اقناعهم بممارسة واجب المواطنة وحق التعبير عن رايهم في صناديق “تعددية” بطيف لون واحد… جوقة اعلامية واحدة تعزف له على نفس النغمة بايقاعات مختلفة وحزب تمتد اصابعه منذ عقود الى اعماق ارياف هذا البلد الصغير وحكومة تسخر كل اجهزة الدولة الصلبة واللينة لارضاء غرور الرئيس باهداءه نسبة مشاركة تليق بانجازاته (نتيجة المشاركة معلومة من الجميع وبديهية)…
ومع ذلك لم يكن يشارك في انتخابات بن علي وبورقيبة قبله الا العدد القليل من ابناء الشعب (بالضمة)… وكلنا يعلم من خلال المنطقة التي يقطن فيها ومن خلال عائلته كم من فرد كان يشارك في الانتخابات.
قانون العرض والطلب يسري على المجال السياسي كما على المجال الانتخابي: عندما تحتكر السلطة العرض السياسي وتفرض نوعية السلع وقانون البيع والشراء وشكل الدعاية وتوقيتها وتوزيعها… تحصل قناعة لدى التونسي انه لا داعي لاجهاد نفسه والتعبير عن رايه لانه يعلم “بفطرته” الاجتماعية ان النتيجة محسومة ومعلومة…
التونسي “شمايتي” لا يهمه ان غضب الرئيس او فرح ولا يهمه ما الذي سيقوله عنا الغرب وبلدانه الديمقراطية ولا يتوقف كثيرا عند الشعارات السكولاستيكية التي تتحدث عن “السلوك المدني” و”التجربة الديمقراطية” و”الواجب الوطني”…
هو فقط “يعاقب” بشكل غير مباشر ويستمتع و”ينبّر” وينتقم حتى وان كان متضررا لانه يعلم ان الطرف المقابل سيكون الخاسر الاكبر، هذا ان كان لديه ما يخسره فعلا.
“لم ينخرطون” ليس لانهم مسيسون او لانه وقع تحريضهم “فاستجابون” للمحرضين.. بل لانهم غير مقتنعين في ضميرهم الاجتماعي العميق بما يقوم به رئيس تشوب حوله صفة “الانقلابي” و”المستبد” (بعضهم يضيف “العادل”).
نسبة المشاركة في الاستشارة الوطنية (لاحظوا مرة اخرى انه لا احد يتحدث عن نتيجتها المحسومة) ليست الا “بروفا” لنسبة المشاركة في الاستفتاء المقبل ولنسبة المشاركة في الانتخابات التي ستليه – ان وقعت انتخابات وان استتب الامر للرئيس كما يتمنى شيعته – .
للخروج من هذا النفق ليس امام السلطة الا فتح السوق السياسي وتنويع العرض عبر منافسة حقيقية يساهم الجميع في وضع اسسها كما تم ذات 23 جانفي 2011 … لكن ان تواصل بؤس هذا المشهد سيبحث التونسيون مجددا عن “تجارة موازية” وعن “سلع” قد تكون “مضروبة” لكن تكسر احتكار السوق السياسي وتعطي للعديد منهم لذة المغامرة وتسمح للعديد منهم بالفرجة الشامتة.
الإعجاب و المشاركة:
fb-share-icon0
20
Twitter20
Visit Us
Follow Me
139