مقاطعة الانتخابات ونهاية شرعية سلطة 25 جويلية

كتب الدكتور سالم لبيض

شرعية 25 جويلية المتآكلة بطبيعتها تتهشم نهائيا على صخرة الإرادة الشعبية الرافضة تلويث العملية الانتخابية وتدنيسها بعد أن استقرت في الضمير الجمعي وعيا وفعلا مقدّسا التجأت إليه الشعوب الحرّة أسلوبا وحيدا في تنظيم السلطة والتداول السلمي على ممارستها.
انتخابات 17 ديسمبر 2022 هي نكسة حقيقية للثورة التونسية التي لم يحتفل بها أحد في عيدها الذي يرمز إلى شهدائها وقيمها وديمقراطيتها، وهاهي ذكراها تقبر على يد من منحته الحرّية ومكّنته من بلوغ أعلى مراتب السلطة والمسؤولية في الدولة بعد أن كان يتمسّح على عتبات حجّابها وسدنتها من رجال الطبقة العاشرة من مسيّريها. حس الناس لا يخطئ وسجيتهم في مقاطعة هذه الانتخابات الخاوية من المضامين السياسية والكفاءات الوطنية والقوى المجتمعية المدنية والحزبية والإعلامية، والمنظمة بواسطة دستور وقانون انتخابي أقرب إلى نصوص الحكم القروسطية من قبل هيئة انتخابية عديمة الحياد والشفافية والاستقلالية وتابعة لسلطة قصر قرطاج الأحادية، هو سحب للشرعية التي منحت للرئيس قيّس سعيد سنة 2019 وقبل نهاية ولاية حكمه بسنتين لفشله الذريع في إدارة الدولة وحماية المجتمع وتأمين أبسط مقومات الحياة.
المقاطعة ونسبتها العالية (92 %) ورفض المهزلة الانتخابية هي موقف الأغلبية والمشاركة الضعيفة المحتشمة الهزيلة هي خيار الأقلية (8 %)، وعلى الرئيس قيس سعيد أن يعترف بالفشل، والاعتراف بالحق فضيلة، ففي التجارب المقارنة الرئيس يعجّل بالاستقالة قبل أن تطالبه بذلك المعارضة، وأن يعي جيدا أن شرعية حكمه ودستوره وشعبوية قراراته ومراسيمه الحزينة القائمة على الإقصاء وتخوين الآخرين وحملات مفسّريه الهجينة قد انتهت يوم عيد الثورة التونسية التي أراد وأدها فوأدت أحلامه ونزعاته السلطوية، وأن ينحاز إلى الإرادة الشعبية الحقيقية التي عبّرت عن موقفها الرافض المقاوم لمنظومة 25 جويلية رغم صمتها، فالصمت أبلغ الكلام، وأن يسارع إلى إصلاح ذات البين وتنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية سابقة لأوانها، لإنقاذ بلد وشعب مكلوم موجوع مما ينتظره من مآسي وصلت حدّ انعدام الثقة في إمكانية العيش الكريم بسبب انتشار الجريمة والبطالة والإفلاس والجوع والفقر والمرض بشكل لافت دون قدرة على سدّ رمق العيش والمعالجة، بمشاركة الجميع إلا من أقصى نفسه أو أقصاه القضاء، على قاعدة الاتفاق على قانون انتخابي جديد يفرز مجلسا تكون من مهامه مراجعة أو إلغاء الدستور الحالي، لروحه الإستبدادية والفردية البيّنة فهو شرّ البلية، المستهدف من خلال عملية المقاطعة، بوصفه يمثّل الأرضية القانونية والسياسية للانتخابات، وتعويضه بدستور عصري ديمقراطي منزعه شعبي وروحه وطنية، يحظى بالقبول والقدرة على تطبيق جميع مبادئه وأحكامه وترجمتها قانونيا وسياسيا ويمكّن من مراقبة الحكام وتغييرهم إن هم فشلوا أو خانوا الأمانة.
درس اليوم هو أبلغ الدروس ومن لم يستخلص منه العبر سيُكنس إلى مزبلة التاريخ كما كُنس غيره ممن لم يتعظ.
الإعجاب و المشاركة:
fb-share-icon0
Tweet 20
Twitter20
Visit Us
Follow Me
139