المساعات الامريكية سيف مسلط على الحكومات والشعوب

وتعد المساعدات الاقتصادية الأمريكية إلى الخارج واحدة من الأدوات الفعالة لتحقيق أهداف السياسية الخارجية الأمريكية ومنذ خرجت الولايات المتحدة إلى الوجود كقوة عالمية كبرى بعد الحرب العالمية الثانية احتلت المساعدات إلى الخارج دورا بالغ الحيوية كأداة لتحقيق هدف أساسى يتم تعريفه على المستوى الرسمى بأنه تعزيز الأمن القومى للولايات المتحدة الأمريكية ولما كانت الولايات المتحدة قوة كبرى وزعيمة للعالم الحر الآن فإن حدود أمنها القومى تتسع لتغطى العالم بأسره، ومن ثم فإن تعزيز هذا الأمن يتطلب الاحتفاظ بشبكة مترابطة من العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية والأيديولوجية مع الخارج وذلك من خلال أطر مؤسسية كالأحلاف أو نصوص تعاهدية ثنائية لضمان المصالح العليا للولايات المتحدة.

ومنذ البداية فإن العامل المسيطر والمحرك لنظرية الأمن القومى للولايات المتحدة هو مواجهة النظام الاشتراكى وعلى رأسه الاتحاد السوفيتى وتعبئة كافة القوى لمواجهة ما يسمى بالتوسع والغزو الأحمر ومن ثم فقد كانت الحرب الباردة وسياسات العداء للاتحاد السوفيتى هى المحور الرئيسى الذى تقوم عليه السياسات الخارجية الأمريكية طوال الفترة الممتدة من أوائل الخمسينات حتى أوائل السبعينات حينما بدأت تتغلغل إلى دهاليز السياسة الخارجية الأمريكية وقاموسها تعبيرات مثل الوفاق والتعاون بين الشرق والغرب وهى المصطلحات التى تعبر عن حالة جيدة فى العلاقات بين القوتين الأعظم نستطيع القول بأن هناك علاقة مؤكدة بين الاتجاه العام للسياسة الخارجية الأمريكية وسياسات المعونة أو المساعدات الاقتصادية للخارج بوصف هذه الأخيرة جزءا لا يتجزأ من بنيان السياسات الخارجية وأحد أدوات تحقيق أهدافها الاستراتيجية وكان من الطبيعى إذن أن تنعكس التطورات فى مجرى السياسة الخارجية الأمريكية على سياسات المعونة والمساعدات الاقتصادية الخارجية ففى فترة الحرب الباردة وهى الفترة الممتدة حتى أوائل السبعينات كانت المساعدات الاقتصادية الأمريكية إلى الخارج تتنقل أساسا من خلال العلاقات الثنائية وكانت اتفاقات المعونة هى الصورة البارزة لتدفق المساعدات الأمريكية إلى الخارج فى هذه الفترة وكانت هذه المساعدات تتخذ شكل المعونات الغذائية والقروض على وجه العموم أما فى الفترة الثانية وهى التى تبدأ من أوائل السبعينات واتباع سياسية الانفراج أو الوفاق فإنه يلاحظ زيادة الاهتمام الأمريكى بتوفير المساعدات عن طريق العلاقات متعددة الأطراف ومن خلال مؤسسات التمويل الدولية وعلى وجه الخصوص البنك الدولى وصندوق النقد الدولى، وبينما نلاحظ فى المرحلة الأولى أنه كانت هناك شروط أمريكية واضحة لإعطاء المعونات إلى الدول النامية من خلال الاتفاقات الثنائية فإن الفترة الثانية شهدت تحولا فى طريقة إملاء هذه الشروط حيث أصبحت المعونة تتقرر من قبل البنك الدولى وصندوق النقد الدولى اللذين تسيطر الولايات المتحدة عليهما عليا سواء من خلال رأس المال أو عملية اتخاذ القرارات عن طريق قوتها التصويتية وسيطرة موظفيها إن التطورات التى حدثت فى طبيعة النظام الاقتصادى العامة وهيكل العلاقات السياسية الدولية كانت تفرض على الولايات المتحدة ضرورة اللجوء إلى تلك الأشكال من الوصاية الدولية متعددة الأطراف بحيث تتحقق فى النهاية أهدف الأمن القومى الأمريكى ودون أن يظهر دور الولايات المتحدة كدولة كبرى دورا سافرا فى هذه الوصاية.

الدولار السياسى:

وخلال المرحلتين على السواء كرست السياسة الخارجية الأمريكية جهودها على استخدام الدولار استخداما سياسيا فى المعونات الخارجية وهو ما أطلق عليه الاقتصادى الأمريكى سيتوارت سميث "الدولار السياسى"، حيث وجه انتقادات قاسية لسياسة المساعدات الاقتصادية الأمريكية بوصفها لونا من ألوان السيطرة الجديدة لخدمة الأهداف الأمريكية دون مراعاة المصالح الوطنية للدول المتلقية للمساعدات فالدولار الأميركى لم يتخل عن جنسيته السياسية من خلال المساعدات الأمريكية إلى الخارج.

الطابع التركيزى:

وعلى مدار المرحلتين أيضا مرحلة الاعتماد على المساعدات الثنائية ثم مرحلة الاعتماد على المساعدات متعددة الأطراف كانت إحدى السمات البارزة الأخرى إلى جانب الدولار السياسى تتمثل فى الطابع التركيزى الشديد للمساعدات الخارجية الأمريكية إذ طبقنا لأولويات الأمن القومى الأمريكى كانت نسبة عالية من المساعدات تذهب إلى عدد محدود من الدول فى العالم الثالث وكانت هذه الدول تتميز غاليا بسيرة أنظمة ديكتاتورية عسكرية معادية للاتحاد السوفيتى ومتعاونة إلى أقصى حد سياسيا وعسكريا وأيديولوجيا مع الولايات المتحدة والعالم الغربى وفى المنطقة العربية كانت إسرائيل هى المثل السافر على سيطرة هذه السمة التركيزية للمساعدات الخارجية الأمريكية واشتراطها أوضاع محددة لمنح هذه المساعدات.

الترابط العسكرى ـ الاقتصادى:

ومنذ بروز الدور العالمى للولايات المتحدة الأمريكية كقوة كبرى بعد الحرب العالمية الثانية كان هناك ترابط وثيق بين المساعدات الاقتصادية والمساعدات العسكرية فنادرا ما كانت هناك مساعدات اقتصادية دون أن ترتبط بمساعدات عسكرية ويعكس هذا الارتباط طابع الاستراتيجية الأمريكية فى تعبئة وتقوية أنظمة معينة معادية للسوفيت بشكل خاص وخلال سنوات الخمسينات يقدر بنحو ثلثى المساعدات الخارجية الأمريكية كانت عبارة عن مساعدات عسكرية أما المساعدات الاقتصادية فقد كانت تتمثل فى الثلث المتبقى غير أن سنوات الستينات شهدت تراجعا فى نسبة المساعدات العسكرية إلى 40% فقط من إجمالى المساعدات الأمريكية وكان ذلك راجعا إلى الإخفاق المتزايد للسياسة الخارجية الأمريكية فى الخمسينات ونتيجة لسياسة كيندى التى كانت تقول بضرورة الاحتفاظ بموطئ قدم عند الباب وهو ما كان يفرض بالضرورة الاحتفاظ بأرقام للمساعدات الاقتصادية ولو بشكل رمزى مع أكبر عدد من الدول ذات المواقع الهامة استراتيجيا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا فى العالم الثالث وقد انتهت هذه السياسة بنهاية الستينات حيث قفزت نسبة المساعدات العسكرية مرة أخرى إلى نحو ثلثى إجمالى المساعدات الخارجية الأمريكية وذلك على الرغم من إعلان سياسة الانفراج بين القطبين الأعظم.

حماية وتشجيع الاستثمارات الأمريكية:

وإلى جانب الدور الذى تقوم به المساعدات الخارجية الأمريكية فى تحقيق الأهداف الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة فإن هذه المساعدات تقوم بدور هام فى ضمان وتشجيع الاستثمارات الأمريكية فى الخارج بما يفتح الباب دائما لفرص كبيرة من النمو والتوسع أمام الاقتصاد الأمريكى ورجال الأعمال الأجانب وتقوم المساعدات الأمريكية بأداء هذا الدور على مستويين مختلفين هما: المستوى الأول: يتمثل فى ضمان أسواق للصادرات الأمريكية وخصوصا الصادرات العسكرية وفائض الغذاء الأمريكى وكلاهما يتم استخدامه لأغراض سياسية إذ أن التسهيلات الائتمانية والقروض الأمريكية إنما تمنح لشراء بضائع أمريكية فى الأساس يتم شحنها أيضا على وسائل نقل أمريكية وتستفيد من ورائها شبكة واسعة من رجال الأعمال وأصحاب الخبرة والفنيين من الولايات المتحدة أما المستوى الثانى، فإنه يتمثل فى استخدام المساعدات كرشوة للدول المتلقية من أجل أن تصدر تشريعات وقوانين لضمان وتأمين الاستثمارات الأجنبية، وإعطاء حوافز لرأس المال الأجنبى الذى يعمل فى أراضيها، بما يخلق فرص أعمال مضمونة أمام قطاع الأعمال فى الولايات المتحدة ويضمن بذلك مزيدا من التحويلات الخارجية إلى الاقتصاد الأمريكى، فى صورة موارد وأرباح وفوائد، ترفع مستوى الرفاهية والاتفاق العسكرى على السواء فى الدولة الأولى داخل العالم الرأسمالى.

دعم القطاع الخاص المحلى:

إن أهداف المساعدات الاقتصادية الخارجية للولايات المتحدة هو التأثير فى هياكل الإنتاج والهياكل المؤسسية فى اقتصاديات البلدان المتلقية للمساعدة من أجل أحداث تغييرات تشجع على بناء توليفة اقتصادية اجتماعية مستقرة على أرضيه من النمو الرأسمالى فى إطار التبعية للنظام الرأسمالى الدولى وتوجه المعونة الأمريكية فى الأساس نحو البنية التحتية اللازمة للاستثمار الخاص، خصوصا فى القطاعات الأولية مثل الزراعة والصيد والصناعات الاستخراجية، أو صناعات تجهيز منتجات هذه القطاعات ولا تهتم المساعدات الاقتصادية الأمريكية بإجراء تحويلات هيكلية أساسية بهدف تحقيق تنمية اقتصادية ترتكز على تنويع الإنتاج وتوزيع عادل للدخل، وعلاقات متكافئة مع العالم الخارجى وفى سبيل خدمة مصالح القطاع الخاص المحلى فى الدول المتلقية للمساعدات الأمريكية، فإنه عادة ما تتم ضغوط عديد لتقليص دور الدولى فى الاقتصاد وتقليص حجم القطاع العام، وإتاحة المزيد من الحوافز للاستثمار الفردى ومزيد من الضمانات لنشاط رجال الأعمال سواء فى التجارة، أو فى مجالات الإنتاج الأخرى.

المساعدات الأمريكية والعالم العربى:

كانت مؤشرات المساعدات الأمريكية إلى دول العالم العربى تعكس بشكل مباشر التوتر فى العلاقات الأمريكية العربية ومراحل الصدام والتصالح ومحاولات التحالف ولم يحدث فى فترة من الفترات منذ بدابة الخمسينات حتى الآن، أن كان هناك إجماع استراتيجى بين الدول العربية على طبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، فدائما هناك محاور وصراعات بخصوص تكييف هذه العلاقات وقد ساعد على انعدام الإجماع الاستراتيجى بين الدول العربية على تكييف طبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة، السياسة الخارجية الأمريكية، نفسها، تلك السياسة التى شهدت فى طفولتها كسياسة عالمية، إخفاقا شديدا فى إقناع دول المنطقة بأهدافها الاستراتيجية، وأدواتها لتحقيق هذه الأهداف وذلك على الرغم من إدراك الولايات المتحدة أهمية العالم العربى فى استراتيجيتها العالمية وقد ارتبطت المساعدات الأمريكية إلى العالم العربى بمواقف سياسية مباشرة وتطورات إلى الأمام بالقدر الذى كانت فيه الدول العربية تقترب أكثر من الاستراتيجية الأمريكية فى السياسة الخارجية، وبالتالى فقد كانت النظم العربية الراديكالية أقل حظوة بالمساعدات من تلك المحافظة التى دعمتها الولايات المتحدة.

أهمية العالم العربى:

بالإضافة إلى موقعه الاستراتيجى، وأهميته الحيوية من الناحية الجيوبولتيكية، فإن العالم العربى يمد إحدى ذراعيه فى شمال وقلب القارة التى تمد العالم الرأسمالى بأكثر من نصف احتياجاته من المعادن بينما يمد الذراع الأخرى إلى تلك الشواطئ الغنية بالبترول ويحتوى باطن أرضه على ما يقرب من نصف الاحتياطى العالمى من الخام وهذه الأهمية الاقتصادية الحاسمة تعززها الأهمية الاستراتيجية والسياسة الناتجة عن كون العالم العربى هو الكتلة الاجتماعية الاقتصادية ذات الثقل الأساسى فى العام الثالث، والذى تمثل منظمات العمل الجماعى فيه جامعة الدول العربية منظمة أوابيك أحد أهم منظمات العمل الجماعى الدولى بين قطبى الأطلنطى ووارسو وقد دفعت هذه العوامل بالولايات المتحدة مبكرا إلى محاولة القيام بدور هام ومؤثر فى المنطقة فى أعقاب الحرب العالمية الثانية بينما كان العالم العربى ما يزال خاضعا للسيطرة من جانب القوى الاستعمارية القديمة، وقد ارتكز التحرك فى السياسة الخارجية الأمريكية فى المنطقة على صيحة التحذير من الغزو الأحمر، والخطر الشيوعى تلك الصيحة المزعومة التى لم تلق رواجا بين دول المنطقة منذ اللحظة الأولى لإطلاقها وكانت النتيجة المنطقية لبداية التحرك الأمريكى فى المنطقة بهذه الطريقة هو فشل اقتراح إنشاء قيادة للشرق الأوسط، الذى تقدمت به أمريكا فى بداية الخمسينات، وكانت مصر هى القوى التى وقفت وراء إحباط هذا المشروع حين أعلنت تشككها فى الدور الذى يمكن أن تقوم به تركيا، وهى الدولة التى كانت مرشحة للقيام بالدور الأساسى فى قيادة الشرق الأوسط، بدأ فصل طويل من التوتر فى العلاقات بين أمريكا والعالم العربى وكان إعلان هذا الفشل واضحا بعد صفقة الأسلحة المصرية التشيكية وسقوط حلف بغداد، بعد ذلك ومع هذا فقد استمرت السياسة الأمريكية فى علاقاتها بدول المنطقة على أساس أهمية وضرورة الاحتفاظ بمواطئ قدم عند الباب وهذا لم يمنع أن تكون لأمريكا علاقات حميمة مع بعض دول المنطقة مثل العراق أثناء حكم نورى السعيد، أو ليبيا أثناء خمن الملك السنوسى، أو الغرب والسعودية.

المساعدات والقواعد:

وحتى منتصف الستينات كانت المساعدات الأمريكية إلى الدول العربية تذهب أساسا إلى تلك الدول التى أقامت الولايات المتحدة فى أراضيها قواعد عسكرية وكذلك تلك الدول التى أيدت تجاوبا كبيرا مع أهداف السياسة الخارجية الأمريكية وكان فى مقدمة الدول العربية التى حصلت على تلك المساعدات المغرب التى أعطت للولايات المتحدة تسهيلات بحرية وجوية، وليبيا حيث كانت توجد قاعدة ـ هويلس ـ الجوية والمملكة العربية السعودية وكان ما يقرب من نصف المساعدات الاقتصادية يتكون أساسا من فائض المحصولات الزراعية الأمريكية، والقروض التجارية التى يقدمها بنك الاستيراد والتصدير الأمريكى أما بالنسبة لمصر، فقد استمر التوتر يحيط العلاقات المصرية الأمريكية حتى أوقفت أمريكا شحنات الحبوب إلى مصر عندما رفض عبد الناصر السماح للولايات المتحدة بالتفتيش على الصناعات والمفاعلات النووية وغيرها فى مصر وفى هذا الوقت أوقفت واشنطن شحنات من الحبوب تصل قيمتها إلى 60 مليون دولار، وهدد مساعد وزير الخارجية الأمريكية بأن بلاده سوف تزود إسرائيل بالمزيد من الأسلحة إذا ما استمرت مصر صفى توجيه دعايتها ضد الولايات المتحدة ثم كان العدوان الإسرائيلى على الدول العربية فى يونيو 1967، بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، وتقلصت العلاقات الاقتصادية إلى أدنى حد عودة المساعدات الاقتصادية الأمريكية: أخذ الدفء يسرى فى العلاقات العربية الأمريكية مرة أخرى فى أعقاب حرب أكتوبر 1973، وكان المجهود الرئيسى الأمريكى مركزا على هدف الاقتراب نحو مصر، بوصفها قوة سياسية وعسكرية ذات تأثير حاسم فى مجريات الأمور العربية، وبوصفها زعيمة المعسكر الراديكالى العربى أيضا وقد ترابط ازدياد اهتمام الولايات المتحدة بالعالم العربى فى أعقاب حرب أكتوبر 1973، مع ظهور شبح أزمة الطاقة فى العالم الرأسمالى وازدياد أهمية منطقة الخليج العربى باعتبار بئر البترول الكبرى التى تغذى العالم الرأسمالى بالطاقة اللازمة لاستمرار اقتصادياته القمح والسلاح وإسرائيل: كان من الواضح، أن المساعدات التى قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية إلى كل من مصر وسوريا فى أعقاب حرب 1973، قد ارتبطت فى الأساس بنتائج اتفاقات فك الاشتباك بين القوات العربية والإسرائيلية، ففى خلال المرحلة المكوكية لهنرى كسينجر وزير الخارجية الأمريكى الأسبق، كان هناك تركيز فى المفاوضات على الربط بين التسوية والاستقرار والرخاء فى المنطقة، على أن تلعب الولايات المتحدة الأمريكية دورا رئيسيا فى كل ذلك، انطلاقا من ضرورة إبعاد الاتحاد السوفيتى عن المنطقة وقد ارتبطت المساعدات العسكرية بالمساعدات الاقتصادية، وتميزت المساعدات الاقتصادية إلى الدول العربية، بالاتجاه التركيزى أيضا، وبكافة الخصائص الأخرى التى ذكرناها سابقا ففى خلال السبعينات كانت أهم الدول العربية المتلقية للمعونة الأمريكية هى أربع دول فقط، من بين أكثر من عشرين دولة تنتمى إلى جامعة الدول العربية، وهذه الدول هى:

مصر والمغرب وتونس والسودان وقد ارتبطت المساعدات التى تم تقديمها إلى هذه الدول بالعديد من البرامج والإصلاحات التى طلبها البنك وصندوق النقد الدولى وكانت هذه البرامج والإصلاحات تقوم على أساس تلك السياسات التجارية التى طالبت بها الولايات المتحدة خلال الستينات من خلال مؤتمرات التجارة والتنمية، وهى سياسيات الباب المفتوح، التى عجزت عن إقناع العالم بها، ولكنه بفضل نشاط البنك الدولى وصندوق النقد الدولى تم اجتذاب عدد من الدول العربية، إلى تبنى هذه السياسيات، وعلى رأسها مصر، التى أخذت سياسية الانفتاح الاقتصادية، كسياسة رسمية منذ منتصف السبعينات وقد تميز تقديم المساعدات الأمريكية إلى هذه الدول، بالمزج بين أشكال المساعدات الثنائية، والمساعدات متعددة الأطراف، عن طريق وكالات التمويل الدولية، إذ تم تكوين عدد من الكونسيرتيوم الدولية برئاسة البنك الدولى، لوضع خطط لإنقاذ اقتصاديات هذه البلدان، ومن خلال هذه الكونسيرتيوم، كان يتم حشد عدد كبير من الدول ومؤسسات التمويل والبنوك لتقديم قروض وضمانات إلى الدول المعنية لمساعدتها على الخروج من أزمتها الاقتصادية.

معايير تركز المساعدات:

من الواضح أن كلا من مصر وإسرائيل تحظى بالنصيب الأعظم من برنامج المساعدات الخارجية الأمريكية، وتأتى مصر الأولى بين الدول العربية، بينما تأتى إسرائيل الأولى بين دول العالم المتلقية للمساعدات من الولايات المتحدة والمعيار الذى تتجه على أساسه المساعدات الأمريكية إلى التركيز لدى دولة معينة فى العالم العربى، يقوم على التمييز بين تلك الدول التى تتبع السياسات التالية:

1 ـ تمنح الولايات المتحدة قواعد وتسهيلات.

2 ـ تعادى الاتحاد السوفيتى وتعترف بإسرائيل.

3 ـ تعادى الاتحاد السوفيتى فقط.

4 ـ تعلن اتفاقها مع السياسة الأمريكية فى المنطقة وتزداد أهمية الدولة، وبالتالى تزداد نسبة تركيز المساعدات الأمريكية إليها، كلما اقتربت من البندين الأول والثانى، ولكنها تنخفض بعد ذلك، ولهذا فقد تزايدت المساعدات الأمريكية كثيرا إلى مصر، وبلغت فى عام 1981، أكثر من أربعة أضعاف ما كانت عليه عام 1975، حينما كانت تعادى الاتحاد السوفيتى فقط وقد شهدت هذه المساعدات، قفزة كبرى بعد توقيع المعاهدة المصرية الإسرائيلية عام 1979، إذ بلغت أكثر من مليار دولار فى العام التالى، وما تزال قيمتها تتطور بشكل كبير حتى الآن ويقدر أن تبلغ نحو 2 مليار دولار عام 82 وتتميز هذه المساعدات بالسمات الأساسية للمساعدات الخارجية الأمريكية للمساعدات العسكرية والثلث للمساعدات الاقتصادية وارتبطت برامج المساعدات الاقتصادية، بدعم القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية، وتغيير نظم الإدارة فى القطاع العام، بما يتيح حرية أكبر للوحات وزيادة حقوق المساهمين، ودورهم فى الإدارة الاقتصادية كما ارتبطت برامج هذه المساعدات أيضا، بالتقييد بتوصيات البنك وصندوق النقد الدولى.

مستقبل المساعدات الأمريكية:

إن المساعدات الأمريكية إلى العالم العرى، تظل بدون شك إحدى أدوات الأمن القومى للولايات المتحدة وسوف تظل هذه المساعدات ترابط بالضرورة بالتوجهات السياسية للدول المتلقية، وخصوصا فيما يتعلق بالموقف من الاتحاد السوفيتى ونظام الإدارة الاقتصادية والاجتماعية، كما أن مستقبل هذه المساعدات يتوقف على مدى التقدم فى تسوية الصراع العربى الإسرائيلى إلا أن متغيرا هاما قد وقع خلال فترة السبعينات، وهو تزايد القوة النفطية والمالية العربية، وزيادة مشاركة الدول العربية فى الشئون الدولية من خلال مجموعة الـ77 ومنظمة أوبيك فى مؤتمرات الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، والدورات الخاصة للجمعية العامة بخصوص إقامة نظام اقتصادى عالمى جديد وكذلك فى الحوار بين الشمال والجنوب وتزايد القوة النفطية والمالية العربية، أدى فى حد ذاته إلى تزايد شعور العام العربة بأهمية نبأ القوة الذاتية العربية التى تتوفر فى مقوماتها، ومن ثم فأن الحاجة إلى المساعدات الخارجية فى أشكالها القديمة، يتضاءل يوما بعد يوم، ويصبح تأثير مثل هذه المساعدات محدود الأثر على السياسات العربية ومن الممكن أن نقول أن العلاقات العربية الأمريكية التى تشهد الآن مرحلة التصالح، بعد انتهاء مرحلة التصادم التى سادت فى الخمسينات والستينات، لم تدخل بعد إلى مرحلة التحالف، ما تزال هناك خلافات حول أولوية الخطر الذى تحيط بالعالم العربى فمن وجهة نظر الولايات المتحدة فإن الخطر السوفيتى يأتى فى المقام الأول، بينما وجهة نظر العرب يأتى الخطر الإسرائيلى فى المقام الأول، وسوف تظل هذه الفجوة بين السياسة العربية والسياسة الأمريكية حائلا بين قيام تفاهم كامل واستراتيجى بين الجانبين حائلا بين قيام تفاهم كامل استراتيجى بين الجانبين، بل أن هذه الفجوة ذاتها، يمكن أن تصبح ذلك بؤرة للتوتر فى العلاقات بين أمريكا والعرب مرة أخرى وما أغرب الحال، وما أشبه الليلة بالبارحة، ففى بداية الخمسينات، وقف عبد الناصر فى مواجهة سياسية الولايات المتحدة التى تقول بأولوية الخطر الشيوعى فى الشرق الأوسط، مؤكدا على أولوية الخطر الإسرائيلى، وهو نفس الموقف الذى أخذ به مصطفى النحاس زعيم الوفد

وتعد مصر اليوم من بين الدول الأولى المتلقية للمعونات الأمريكية ولا تفوقها في ذلك غير الدولة الصهيونية.. ففي العشر سنوات الماضية وصل مصر 15 بليون دولار ما بين منح وقروض أمريكية. وبالإضافة إلى مساهمة الولايات المتحدة الأمريكية بالنصيب الأكبر من المعونات الخارجية التي تصل إلى حوالي 2 بليون دولار سنوياً، تساهم في الإعانة كل من ألمانيا الغربية واليابان والبنك الدولي. ففي عام 1980 على سبيل المثال، وصلت مصر معونة قيمتها 150 مليون دولار من ألمانيا و175 مليون من اليابان وذلك بالإضافة إلى 450 مليون من البنك الدولي.

عندما نتساءل عن المنطق الذي يحكم هذا التدفق الهائل من المعونات الخارجية نجد في مصر نموذجاً يوضح توافر الظروف التي تشجع "كرم" الحكومات الغربية وأصدقائها اليابانيين والمؤسسات المالية الدولية ذات الهيمنة الغربية. ولو أن النقاش المطول لتوافر هذه الظروف يقع خارج نطاق هذا المقال، إلا أنه من الضروري أن نشير إلى أن إعادة تحديد وتنظيم أولويات مصر وسياساتها التنموية لها جذور في مرحلة تاريخية سابقة متعلقة بتناقضات رأسمالية الدولة في مصر. هذه التناقضات بعلاقتها الجدلية بعوامل خارجية دفعت إلى "فتح" مصر.. وقد تبلور هذا التفاعل في نهج كامب دافيد الذي يؤثر على كل وجوه الحياة الاجتماعية في مصر- سياسية واقتصادية وثقافية.. ومن هنا فان المعونة الأمريكية لا تنفصل عما يسمى بالتطبيع مع العدو الصهيوني او التبعية الاقتصادية او الامبريالية الثقافية ولا تنفصل أيضا عن تكبيل الحريات بالتشريعات القمعية. في هذا المقال نلقي الضوء على مثل هذا الترابط.. فالجزء الأول من المقال يقدم نظرة عامة لمعونات الولايات المتحدة الخارجية والجزء الثاني ينتقل إلى توضيح كيفية تطبيق هذه السياسة في الواقع المصري. فمنح مصر المعونة ينبع من نفس المنطلق الذي يدفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى "إعانة" دول أخرى من العالم الثالث.. هي الدول التي تطمع الولايات المتحدة في ضمها داخل نطاق نفوذها السياسي والتي تسعى أيضا بدمجها في النظام الرأسمالي العالمي.. ولقد وصفت الحكومة في إحدى تقاريرها عمل وكالة التنمية الدولية الأمريكية بمصر بأنه يقدم "خبرة" قابلة للتطبيق في بلاد أخرى.. وبصرف النظر عن التقييم الحكومي الأمريكي فإن تجربة المعونات في مصر كمثيلها في بلاد أخرى توضح انه عندما تقدم المعونة في إطار عدم التكافؤ السياسي فإنها تفيد هؤلاء الذين يتمتعون بالهيمنة بما في ذلك مصدري المعونات أنفسهم.. فالمكاسب السطحية التي قد تنتج عن مكون آخر من طرد المعونة لا يمكن عزلها عن الدور الأساسي لجملة هذه المكونات في حفظ استمرارية العلاقات غير المتكافئة وتعميق التبعية.

المعونة الامريكية بين ادعاءات المثالية وبراجماتية مصالح السياسة الخارجية

منذ أن أعلن الرئيس ترومان برنامج النقطة الرابعة للمعونات التقنية للدول النامية ظهرت محاولات لتصوير المعونة الأمريكية على أنها تعبير عن سلوك إنساني.. فكثيراً ما تعرض ظاهرة المعونة كتعبير عن النوايا الطيبة لمجتمع ديمقراطي تجاه المجتمعات الأقل حظاً والتي تتسم بالتخلف التقني وغياب القيم الاجتماعية المتناسقة مع التقدم والرخاء.

زور مقولة النوايا الإنسانية

تدل دراسة حديثة لاستطلاع الرأي على أن واحد فقط من كل عشرة أمريكيين يعتقد انه من المهم ان تساعد الولايات المتحدة الأمريكية الدول النامية لتحسن مستوى معيشتها.. فستون في المائة من المشتركين في هذه الإحصائية يوصون بخفض إنفاق حكومتهم على المعونات الخارجية. من الواضح إذاً أن الرأي العام ليس هو الذي يقرر سياسات المعونة الخارجية. فالمعونات الأمريكية تستمر حتى في أوقات قصور الإنفاق العام الداخلي لأنها تخدم مصالح أمريكية متعددة.. فكما جاء على لسان عضو الكونجرس الأسبق كلارنس لونج، "إن مؤيدي المعونة يمثلون دوافع اقتصادية وسياسية متنوعة تشكل أهدافا مختلفة مثل شراء أصوات في الأمم المتحدة أو إحراز قواعد عسكرية عبر البحار…..

ويعتبر رئيس الولايات المتحدة والرسميون في وزارة الخارجية ومجموعات المصالح بالكونجرس من أهم مؤيدي المعونات الخارجية فالرؤساء الأمريكيون يعترفون بصراحة بأهمية المعونات الخارجية كأداة لتعزيز مصالح أمريكا الاقتصادية والسياسية والعسكرية في الخارج.

سياسات واقتصاديات المعونة الأمريكية

يبدو الدور السياسي للمعونة الأمريكية أكثر وضوحا في إطار برنامج المعونة الأمنية Security Assistance Program)) الذي يهدف لتعزيز حالة الاستقرار في المناطق التي تؤخذ بعين الاعتبار في التخطيط الأمني الأمريكي.. ففي هذه المناطق تعتبر المعونات الاقتصادية الأمريكية مفيدة في مساندة (السلام) أو تشجيع المصالح الاقتصادية الأمريكية. وإذا فحصنا حالة البلاد العشر الأوائل من حيث قدر المعونة الممنوحة لها نجد أنها تتميز بمواقع عسكرية إستراتيجية فضلا عن سياساتها الانفتاحية على الشركات متعددة الجنسية. وإلى جانب الانتقاء الدقيق للبلاد التي ُتمنح معونات نجد أن برنامج المعونة الأمريكية يعتبر صارما للغاية في تحديد استعمال الأموال الممنوحة ويعتبر أيضا فذا في صرامته في تحديد الأهداف وسبل تحقيقها.

بالإضافة الى المصالح السياسية فقد كان للاعتبارات الاقتصادية أهمية بالغة في نشوء وتطور برامج المساعدات الخارجية الأمريكية.. وتتضح هذه الأهمية في الفقرة رقم 403 من مرسوم الكونجرس لسنة 1950 الخاص بالتنمية الدولية.. فهذا المرسوم يحدد تنمية القوى الشرائية بشعوب البلاد المتخلفة اقتصاديا كهدف للسياسة الخارجية الأمريكية. ويعتبر هذا الهدف جزءا لا يتجزأ من محاولات تشجيع رأس المال الأمريكي الخاص في البلاد النامية. وبالإضافة لذلك تستعمل الموارد المالية للمعونة الأمريكية في المساندة المباشرة للقطاع الخاص الأمريكي والمحلي.. فكما جاء في تقرير للمكتب الأمريكي العام للمحاسبة.

"إن المرسوم المعدل للإعانات الخارجية لسنة 1961 يشجع الاقتصاد الحر والمساهمة الخاصة في التنمية الاقتصادية.. في منتصف الخمسينات وفي الستينات ساهمت وكالة التنمية الأمريكية في مشاريع تقدم الإعانة للقطاع الخاص المحلي وتشجع الاستثمارات الخاصة الأمريكية في البلاد النامية.. ويعتبر برنامج كولي للقروض نموذجاً لنوع المساعدة التي تقدمها الوكالة.. ففي إطار هذا البرنامج استعملت الوكالة العملة المحلية المحصلة من خلال اتفاقيات القانون العام 480 للمبيعات الأمريكية لمنح قروض للأعمال التجارية الأمريكية والمحلية.

طبقاً لسياسة الحكومة الأمريكية، تعتبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ممولا سخيا للشركات الأمريكية ففي الفترة بين 1950 و1970 مولت الوكالة حوالي 4% من كل الصادرات الأمريكية. فالوكالة تفرض القيد الذي يطالب البلاد الحاصلة على المعونة أن تشتري البضائع الأمريكية.

بالإضافة لذلك فإن كلا من بنك التصدير والاستيراد التابع للخزانة الأمريكية وشركة الاعتماد للسلع يوفر التمويل ويضمن القروض للمشترين الأجانب. وقد يصل متوسط قيمة التمويل الذي يصدر للعالم الثالث عن طريق بنك التصدير والاستيراد إلى ضعف مجمل ميزانية وكالة التنمية الدولية ATR (باستثناء معونة مساندة الأمن). وبذلك تكون وكالة التنمية الدولية وكذلك الخارجية الأمريكية على حق عندما يؤكدان للكونجرس وللشعب الأمريكي ان المعونة الأمريكية ليست هبة.. ويشير موظفو الوكالة إلى إن برنامج المعونة ينشط الاقتصاد الأمريكي عن طريق إنعاش التجارة وزيادة التوظيف.

عندما تدخل الشركات الأمريكية الأسواق الخارجية عن طريق برامج المعونة يتاح لهذه الشركات فرص التوسع خارج نطاق تصدير السلع المرتبطة بهذه البرامج. بالإضافة إلي ذلك فإن المناخ السياسي والاقتصادي الذي يسمح بالتنمية المعتمدة على وكالة أجنبية مثل AID يبيح أيضا فتح الأسواق المحلية على مصراعيها للبضائع الأمريكية عموماً.. ففي ظروف الهيمنة السياسية الأمريكية تتمتع الشركات الأمريكية بمساندة حكومتها لأنشطتها التجارية الخارجية.

في ظل رئاسة رونالد ريجان وصلت مساندة الحكومة الأمريكية للتجارة الخارجية إلى حد مفرط.. فبعد تولي ريجان للرئاسة بأربعة أسابيع فقط ألغي النظام المتعلق بتصدير المواد الخطرة الذي كان قد اقره الرئيس الأسبق كارتر والذي كان يعتبر بمثابة رسالة للمستوردين تؤكد أمان السلع التي تحمل لافتة صنع في الولايات المتحدة الأمريكية .

وبينما اغضب تصرف ريجان المجموعات الأمريكية المهيمنة بصحة البشر في الداخل وفي الخارج على السواء فان هذا التصرف لم يغضب بالقطع مصدري المواد الكيميائية مثل المبيدات الحشرية. وجدير بالذكر أن التجارة الخارجية لهذه المواد تعود بالربح الطائل على الشركات الأمريكية. فبحلول عام 1980 وصلت نسبة المبيدات المصدرة لأسواق خارجية إلى 40% من مجمل إنتاج صناعات المبيدات الأمريكية البالغ قيمتها 6،2 بليون دولار.

وكانت صادرات الولايات المتحدة من المبيدات قد زادت 200% في خلال السبعينيات. كذلك فان 30% من مجمل المبيدات المصدرة لأسواق خارجية غير مسموح باستعمالها في الولايات المتحدة. و20% منها ممنوع استعماله لاكتشاف خطورتها

تعتبر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAIDحلقة اتصال مهمة بين الشركات الأمريكية لصناعة المبيدات والأسواق الخارجية.. ففي ديسمبر 1976 نشرت جريدة واشنطن بوست تقديرا لقيمة المبيدات المصدرة بتمويل من AID. وقد تراوحت هذه القيمة ما بين 1,28 مليون دولار في السنة المالية 1970 و 11 مليون في 1975. وتقدر "البوست" أن نسبة الصادرات عن طريق AID وصلت الى 9,13% من مجموع المبيعات الخارجية في سنة 1970. وتصرح الجريدة ان AID شحنت "……………… مئات من أطنان المبيدات التي تعتبر سامة لدرجة ان استعمالها ممنوع في الولايات المتحدة". وتصرح الجريدة أيضا عن دفاع موظفي الوكالة بالنسبة لشحن المبيدات غير المرخص بها للاستهلاك المحلي في الولايات المتحدة قائلة:

"قالوا إن الكيمياويات تزيد من إنتاج الغذاء في بعض البلاد التي يسودها سوء التغذية. كذلك فإن المبيدات قادرة على احتواء آفات غير معروفة في الولايات المتحدة".

وتعليقا على مثل هذه التعليلات تشير البوست إلى أن ريتشارد فرانك وهو المحامي الذي مثل مجموعة المحافظة على البيئة التي قاضت AID في عام 1975، قال "إن AID أعطت المبيدات للناس…… ولم تخبر الحكومات عن المخاطر المتعلقة بها".

بجانب مساندتها للقطاع الصناعي الأمريكي تمتد المزايا الاقتصادية للمعونة الأمريكية الى قطاع الخدمات الأمريكية فقد ظلت الخدمات الفنية جزءا لا يتجزأ من برامج المعونة الأمريكية.. فهذه الخدمات المصدرة للخارج تساهم في تخفيف حدة مشكلة البطاقة في الداخل. في هذا الصدد نجد في كتابات مورس ومورس تحليلا وافيا للفوائد العائدة على المهنيين الأمريكيين عبر برامج المساعدات الخارجية. يوضح هذين الباحثين.

"في جميع برامج المساعدات الثنائية…. ندفع مصاريف المعونة الفنية من نقود المنح بصرف النظر عما إذا كان باقي برامج الإعانة AID في صورة منح أو قروض ويعود نمط الدفع هذا تاريخيا إلى توسع الجامعات التي أنشأت بمساندة الحكومة الأمريكية عبر منح الأرض… وقد خرجت هذه الجامعات عددا كبيرا من الزراعيين يفوق احتياجات سوق العمل الأمريكي. وليس من المفاجأة أن يكون هؤلاء المتخصصون الزراعيون من أوائل الفنيين الذين يسوقون في الخارج عبر البرامج الأمريكية للمعونة الخارجية… وبالنسبة للمهندسين فقد زاد ترويجهم منذ أيام القمر الصناعي سبوتنيك عندما بدأ أول تزايد مفرط في عدد مثل هؤلاء العلميين في الولايات المتحدة.. ومؤخرا نجد أن الانثروبولوجيين، الذين لا يجدون إلا فرصا محدودة جدا للعمل محليا هم أيضا يتمتعون بمزايا كفنيين عبر البحار…. ويدرك الكونجرس جيدا مساهمة برامج المعنونة في مساندة قطاع الخدمات الأمريكي… (و) في معظم برامج المعونة الثنائية يفرض على البلاد المتلقية للمعوننـة عدد معين من الفنيين المغتربين".

ومن الكتابات الأخرى التي تكشف عن مزايا المعونة الخارجية للاقتصاد وبالذات لقطاع الخدمات الأمريكي، ما جاء على لسان سوزان ويتمور رئيسية المجلس الدولي لولاية ميتشيجان.. توضح السيدة ويتمور أنه في عام 1980 أنفقت AID في ميتشيجان أكثر من 27 مليون دولار على سلع وخدمات ومنتجات زراعية في إطار برامج التنمية الاقتصادية عبر البحار. وفي 1979 وصل إلى جامعات متشيجان ومعاهد بحوثها الخاصة ,230 مليون دولار من AID. وكان ذلك المبلغ قد دفع على هيئة عقود فنية للبحث او خدمات خبراء التنمية الخارجية. بالإضافة إلى هذا النموذج نجد أن الخبراء الزراعيين الأمريكيين يربحون ما يزيد على 26 بليون دولار سنويا. ويساهم هذا الدخل في خفض العجز في الميزان التجاري الأمريكي.

 

معونة الغذاء الأمريكية

من خلال معونات الغذاء توفر AID فرصا إضافية لتوسع التجارة الخارجية الأمريكية. وتقول السيدة كاترين جوين التي كانت تشغل منصب "منسق للوكالة الأمريكية لتنمية التعاون الدولي في عهد الرئيس كارتر أن (حوالي ربع المعونة الثنائية كانت على هيئة معونة غذائية واستمرار هذا البرنامج يرجع أساسا لسياسة مساندة الزراعة المحلية.. والهدف الأساسي لهذا البرنامج هو خلق أسواق موسعة لصادرات الغذاء الأمريكية.. في الواقع ان الجزء الأكبر من معونات التنمية تصرف في الولايات المتحدة لشراء بضائع أمريكية واستخدام الفنيين الأمريكيين).

بعيداً عن الادعاء أن برنامج "الغذاء من اجل السلام" يهدف لتخفيف حدة الجوع، نجد أن "…….. حتى الهيئات الحكومية الأمريكية (مثل مكتب المحاسبات العام) تتفق مع القول أن المعونة الغذائية قليلا ما تصل إلى الجائعين ولا حتى إلى خارج المدن. وتتحول هذه المعونة إلى سند أساسي لميزانيات الدول المتلقية للمعونة.. في نفس الوقت فهي تؤدي إلى تخفيض أسعار المنتجات الزراعية المحلية.. ويزداد المنتجون المحليون فقرا وتثبط همتهم نحو الإنتاج. بالإضافة إلى ذلك يجب الإشارة إلى أن معونات إغاثة الجوع الأمريكية لم تتجاوز خمس كمية الغذاء المصدر للخارج خلال فترة عشرين عاماً. فبحلول عام 1974 لم تكن معونة الغذاء الأمريكية تتجاوز 3% من مجموع الصادرات الزراعية.. و في نفس العام دفعت الدول المتلقية لمعونة الغذاء من اجل السلام على الأقل ثلاث أضعاف قيمة المعونة لشراء منتجات زراعية أمريكية.. علاوة على ذلك يجب أن نوضح أن معونة الغذاء ليست هبة للمحتاجين.. فالقانون العام 480 يشرع بيع الفائض الزراعي الأمريكي للدول "الصديقة" يجب أيضا إدراك انه في حالات كثيرة تمنح منتجات القانون العام 480 بشرط أن توافق الدول المتلقية للمعونة على التوسع في استيراد المنتجات الأمريكية.

إن ارتباط الشركات متعددة الجنسية (ذات القاعدة الأمريكية) بالتنمية الزراعية في بلاد العالم الثالث يعني إدخال نموذج نظام الغذاء الأمريكي في تلك البلاد.. ويعتمد نقل هذا النموذج على نشاطات سابقة تقوم بها AID. ففي الفترة ما بين 1950 و1969 دربت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية حوالي 43 ألف أجنبي في علوم الزراعة.. وكذلك درب كثير من متخصصي الدول النامية في بلادهم بواسطة الفنيين الأمريكيين. وبذلك تخلق "الحاجة" لمعدات الزراعة، إلى جانب المحاصيل والخبرة الزراعية الأمريكية بصرف النظر عن الاحتياجات الحقيقية المحلية.

بالإضافة لغزو الأسواق الخارجية فان التفوق التقني الأمريكي يملي التحكم في مثل هذه الأسواق على المدى الطويل.. فعن طريق شبكة الأقمار الصناعية لجمع المعلومات أعدت (تجربة مسح المساحات الواسعة للمحاصيل).. وقد أنشئت هذه التجربة بغرض "…التنبؤ بمستوى إنتاج المحاصيل الأجنبية عن طريق استخدام تكنولوجيا الأقمار الصناعية والكمبيوتر المتقدمة(33)، وبطريقة مماثلة تستطيع الشركة الهندسية للاستشعار عن بعد ان تتنبأ بكمية المحاصيل قبل وقت الحصاد بمدة.. وتصنف الشركة خدماتها بأنها تقدم "….. أداة قيمة لتحديد متطلبات الجرد ومساحات التخزين والسياسات التسعيرية وبرامج المساندة الحكومية ومساعدة البنوك الممولة للحاصلات الزراعية.

ومن الواضح أن الانتفاع بمثل هذه الخدمات من قبل شركات تجارة الحبوب الدولية تتيح لها فرصة زيادة حدة سلاح الغذاء.

ان استخدام الغذاء كسلاح سياسي ليس بجديد فقد لعبت معونة الغذاء دورا حاسما كأداة لدفع الأهداف السياسية والعسكرية الأمريكية لمدة طويلة.. ولقد استخدم برنامج الغذاء من اجل السلام بمهارة لصالح الولايات المتحدة التي تعتبر مقر قوى الزراعة وحتى منذ عام 1812 عندما خصص الكونجرس,00050 دولار لمعونة غذاء لضحايا الزلازل في فنزويلا كان هناك غرض سياسي وراء هذا الإحسان. فقد قدم الغذاء كمساندة لتمرد محلي ضد الأسبان.

وعلى عكس تصريحات الرئيس كارتر بفضل المعونة الغذائية عن مصالح السياسة الخارجية الأمريكية أشارت مجموعة العمل المكلفة (من قبل الرئيس كارتر آنذاك) بمهام القانون العام 480 إلى أن البرنامج يتسم بمرونة فذة.. وقد سجلت هذه المجموعة أسماء ثماني دول (من بينها مصر) حصلت على الغذاء لأسباب سياسية بحتة.

وبعكس الإعانات توضح إحصائيات معونة الغذاء دور هذه المعونة كأداة سياسية.. ففي 1974 مثلا وصل 80% من معونة الغذاء إلى كل من فيتنام الجنوبية وكمبوديا وكوريا الجنوبية ومصر. ويعترف الرسميون الأمريكيون أنفسهم بالأهمية السياسية للتحكم في ذخيرة الغذاء.. فقد تحدث وزير الزراعية السابق ايرل باتز عن الغذاء كسلاح كأداة قوية في عدة المفاوضات وتتفق وكالة المخابرات المركزية مع هذا التقييم.. ففي اجتماع لجمهور منتقي صرحت الوكالة ان كميات الحبوب الأمريكية المتزايدة تعطي مقدرة لواشنطن للسيطرة على حياة ومصير عدد وافر من المحتاجين. باختصار يعتبر الغذاء ويستعمل كأداة للتحكم السياسي.

برامج AID لتحديد النسل

انطلاقا من المناهج التقليدية لتحليل معوقات التنمية كثيراً ما تربط مشكلة الغذاء بما يسمى مشكلة السكان وينعكس هذا الافتراض على سياسات AID التنموية فهذه الوكالة قد التزمت بمساندة برامج تحديد النسل.. وقد كان لهذه البرامج أولوية في إطار برنامج AID لتنمية دول العالم الثالث على مدى العقدين الماضيين.. وفي دراسة لديناميكية النمو السكاني تقول لكارين مايكلسن: كان يفرض على الدول الفقيرة برامج تحديد النسل بصرف النظر عما إذا كان لديها أو لم يكن لديها مشكلة سكان.. وكان ذلك شرط لمنح معونة الغذاء وأشكال أخرى من المعونة. وانطلاقا من التصور ان الأعداد المتزايدة للفقراء هي المسئولة عن فقر العالم الثالث فوض الكونجرس AID أن تجمد أي حصص غذاء ومعونة صحية عن الدول "الصديقة" إذا لم يكن لديها برامج قومية لتنظيم السكان. وقد انخفضت الميزانية الصحية للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في الفترة ما بين 1968 و1972 من 164 مليون دولار إلى 65 مليون دولار. وفي نفس الفترة زاد الإنفاق على تحديد النسل من 35 مليون دولار إلى 123 مليون… وفي سنة 1975 اقر الكونجرس 67% من مجمل ميزانية الخدمات الصحية لبرامج تنظيم النسل……

في إطار أولويات الإعانات الأمريكية تبقى U & AID الممول الأساسي لبرامج تحديد النسل في العالم الثالث.. فمنذ عام 1960 ساهمت الوكالة بنصف الأموال المتاحة للبرامج الدولية لتحديد النسل وخدمات تنظيم الآسرة بما في ذلك توزيع حبوب منع الحمل واللولب وإجراء عمليات التعقيم.

و من بين الدراسات المتعددة لتحديد النسل الممولة من قبل الحكومة الأمريكية تمت دراسة في يوغوسلافيا وصفتها إحدى الدراسات بأنها (نموذج بالغ السوء للبحوث الممولة من نقود القانون العام 480). قام هذا البحث بتقييم الأمان النسبي لسبل منع الحمل الكيميائية وأساليب الإجهاض.

وفي تعليقها على هذا البحث تقول سوزان جورج بإمكاننا أن نفترض أن أساليب منع الحمل غير الآمنة والتي جربت على نساء يوغوسلافيا فئران التجارب تم نبذها قبل تجربتها على نساء الولايات المتحدة.

ان المعنى الضمني لهذا النموذج للامبريالية الثقافية يتأكد في ضوء المعلومة التالية واحد فقط من كل عشرة عقاقير تجرب خارج الولايات المتحدة.. تتم بموافقة إدارة العقاقير الفدرالية. ومن الواضح أن مراقبة إدارة العقاقير الفدرالية ليست فعالة تجاه حملة USAID لغمر بلاد العالم الثالث بأدوات منع الحمل.. فبعكس توجيهات الإدارة للأطباء الأمريكيين بوصف حبوب منع الحمل ذات مستويات الإستروجين المنخفضة اشترت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية كميات هائلة من حبوب منع الحمل التي تحتوي على تركيز عال للإستروجين بأسعار مخفضة لترويجها في الخارج.

إضافة لهذا الارتباط بين AID وحبوب منع الحمل الضارة فقد وجهت للوكالة تهمة المساهمة في التخلص من مانع الحمل المعروف باسم دالكون شيلدDalcon Shield بتوزيعه في مستودع العالم الثالث.. ومن الجدير بالذكر ان الدالكون شيلد حظر استعماله في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1974 بعد ان تسبب في وفاة 17 سيدة. قبل 1874 قدم منتجو هذه الموانع خصما وصل إلى 48% على كمية كبيرة لمكتب السكان التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.. وكان هذا الخصم الكبير لشحنات غير معقمة.. وتحت ضغوط المستنكرين اضطرت الوكالة استعادة بضاعتها الخطيرة.. لكن وباعتراضها فإن حوالي نصف ال 70000 مانع التي وزعت في الخارج لم تسترد.

ارتبطت USAID أيضا بترويج عقار "ديبوبروفيرا"

Depopreveraفي بلاد العالم الثالث.. وهذا العقار الذي تنتجه شركة اب جون الأمريكية المنشأ كان قد رفض كمانع للحمل للسيدات الأمريكيات من قبل إدارة العقاقير الفيدرالية(46). بناء على هذا الرفض لم يكن في استطاعة USAID شراء هذا العقار بغرض شحنه إلى الخارج ولكن كان في استطاعة الوكالة إن تساند عمل هيئات تنظيم النسل خارج الولايات المتحدة. وعن طريق هذه الهيئات الممولة من قبل الوكالة الأمريكية يشتري العقار من نوع الشركة المصنعة في بلجيكا ويروج في العالم الثالث. وبالرغم من اختلاف الرأي على آثار استعمال ديبوبروفيرا وفي غياب أدلة على آثاره على المدى الطويل، تواصل AID مساندتها لترويج هذا العقار في البلاد النامية.

وقد اقترحت الوكالة أن تقوم بتوزيع هذا العقار بعد موافقة الحكومات وإعلامها بتحديد استعماله في الولايات المتحدة وبعد تعهد هذه الحكومات بتعليم السيدات ورعايتهن طبياً اذا اخترن استعمال هذا العقار. ولكن هذا الاقتراح يطرح التساؤل الآتي:

هل في استطاعة عامة سيدات بلاد العالم الثالث أن يقيمن فوائد هذا العقار بالنسبة لمخاطره بينما لا يتفق المتخصصون من الأطباء على مثل هذا التقييم؟ بالإضافة لذلك هل تقدم مثل هؤلاء السيدات موافقتهن بدون ضغوط من قبل المهنيين المحليين او الأجانب العاملين في مجال تنظيم النسل؟.

تتصدى AID لاتهامات العالم الثالث لها بممارسة الامبريالية الثقافية وتبادر الوكالة إلى الدفاع عن نفسها بدعوى مواقفها الإنسانية. ويشير الرسميون من موظفي الوكالة إلى تفشي الفقر وسوء التغذية في العالم الثالث.. ويشيرون أيضا إلى انه في مثل الظروف الصعبة التي تعرض حياة الأمهات للخطر أثناء الوضع في العالم الثالث يكون استعمال أية وسيلة لمنع الحمل مبرراً.

مثل هذه الحجج تتجاهل التوزيع غير المتكافئ للموارد والفجوات الاجتماعية المتعلقة به والتي تتزايد في إطار النظم الاقتصادية والسياسية التي تبيح المعونات الأمريكية وتحكم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في خطط تقدم بلاد العالم الثالث.

وذلك بالإضافة إلى أن هذه المبررات تخفي الأسس الحقيقية التي تدفع USAID الى الاهتمام بما يسمى مشكلة السكان في العالم الثالث. وقد افصح عن هذه الحقائق السيد ر.ت. رافينهولت رئيس مكتب السكان منذ عام 1966 إلى منتصف عام 1979. بناء على حديث صحفي قال هذا الموظف بالوكالة الأمريكية للتنمية:

إن الانفجار السكاني إذا لم يوقف سيؤدي إلى ثورات… إن السيطرة على زيادة السكان ضرورية لكي تسير الحركة الطبيعية للمصالح التجارية الأمريكية حول العالم… وبدون محاولتنا لمعاونة هذه البلاد في تنميتها الاجتماعية والاقتصادية، سيثور العالم ضد الوجود التجاري الأمريكي القوي فالمصلحة الذاتية هي العامل الأساسي.

الاتجاهات الجديدة للوكالة الامريكية للتنمية الدولية

يحاول مؤيدو الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية استقطاب مساندين جدد لأعمال الوكالة بالقول انه بعكس تجارب التنمية في الماضي ستؤدي المحاولات الحالية للوكالة والتي تستند إلى قرارات الكونجرس لعام 1973 إلى تلبية الاحتياجات التنموية لفقراء الدول النامية فقد كلف الكونجرس USAID بمقتضى تشريع الاتجاهات الجديدة (الملحقة بتعديل الكونجرس المعونات الخارجية) ان تعطي الأولوية للمشاريع…. التي تعمل مباشرة على تحسين ظروف معيشة الفقراء وتتيح لهؤلاء الفقراء المساهمة في تنمية بلادهم.

بعد مضي سنوات على هذا التكليف من الكونجرس لـ USAID تعاونت الأستاذة اليزابيث كولسون مع بعض الباحثين في دراسة لتقييم مدى تطابق هذه التصريحات المنمقة الجديدة مع واقع التنفيذ.

وبعد عام من معاينة مشاريع التنمية المسماة " شعبية" اكتشف الباحثون تضارب الأقوال مع الواقع استنادا لأبحاث جوديث تيندلر الاقتصادية التي عملت كثيرا كخبيرة لـ USAID نفسها توضح الأستاذة كوليسون أن الوكالة. "…… معدة أساسا كشركة مصرفية بتفويض لتحريك الاعتمادات المالية…… وبالرغم من تصريحات السياسات العليا يبقى الهدف نقل الاعتمادات وليس تنفيذ مشاريع تتفق مع المطالب والامكانيات المحلية… كل هذا بعيد كل البعد عن الجوع والفقر واليأس الذي يعاني منه الكثيرون في البلاد التي تتلقى المعونة".

وقد عبر انثروبولوجيون آخرون عن مثل هذا الشك وعن رفضهم لمقولة التنمية عن طريق المساهمة اي مساهمة الفقراء في ظل اختلال موازين القوى الاجتماعية فباحثو USAID يستمدون نفوذهم من المؤسسات التي ينتمون إليها وليس من المجموعات الشعبية المحلية والأهالي المحليون يعتبرون عاجزين أمام جماعات التنمية الدولية بعيدا عن الشعارات فمن الواضح تماما ان الأهالي الفقراء في الدول النامية.

"……. ليسوا في وضع يتيح لهم المبادرة بتحديد أولويات تنمية مجتمعاتهم.. وينطبق هذا العجز على الرسميين في مثل هذه البلاد…. فبالرغم من القول ان اقتراحات التنمية تجئ من البلاد المتلقية للمعونة فان هذه البلاد عادة ليس لها إلا اختيار ضئيل في تأييد مشروع أو آخر من ضمن المشاريع المحدودة والمقبولة لدى جماعات التنمية الدولية.

الإعجاب و المشاركة:
fb-share-icon0
20

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Twitter20
Visit Us
Follow Me
139