فــكر الفـقـر

و لكنّ الفقر الفكري للحكام يجعلهم لا يفكرون في الفقراء بل ربّما  أنكروا وجودهم أصلا …و فقير الفكر  من الحكام  لا يحسن التعامل مع المفكرين في بلاده ، بل يسعى إلى  تسطيح الحراك الفكري بتنصيب من هم أقلّ كفاءة و أكثر ولاء  فتعمّ البلاهة و يستشري الغباء و ينعكس ذلك على الأجيال التي تتربى على فساد الذّوق أو انعدامه  و يقلّ إعمال العقل …و يموت التجديد لانعدام تلاقح الأفكار و تصارعها ..و يُصار إلى استعمال العواطف لتحريك الناس بدل إعمال العقل…و يهرع الناس إلى الدين ببعده العاطفي الذي يزرع في الفاشل شعورا بأنه سيّد في قومه لأنّه حافظ لكتاب الله أو لأنه عالم بأمور العقيدة  و فاهم لأمور الإيمان و بارع في الحديث عن كل ذلك و عن الجنة و النار و عن الدنيا الدانية الفانية و الآخرة الباقية و يدور الحديث في ما حالف ذلك  و ما خالفه .أما التدبّر في حال الأمة و مآلها و لزوم أن تتبوّأ المكانة العالية بينما هي تعيش عالة على غيرها في كل جوانب حياتها ، و الحديث البنّاء المجمّع للصفّ الموجّه لأن يكون الإيمان طاقة عمل و تحصيل ماديّ يمكّن للأمة بين الأمم   ، و أنّ الأمة التي تتعالى على الكفّار و الفجّار و المشركين  و ترى أنها خير امة أخرجت للناس  وأنّها أمّة جنّة و غيرها من الأمم  في النار ، فتكيل للآخر سيلا من السبّ و الشتم و الدعاء المرّ من على المنابر …الأمة التي تعيش على ابتكارات و اكتشافات و صناعات  و إنتاجات الكفّار و المشركين ، من  ملابسهم الداخلية إلى أغطية رؤوسهم إلى ركوباتهم إلى وسائل لهوهم من تلفاز و هاتف و انترنت …ألخ تعيش على ما ينتجه  هؤلاء الكفار الفجار الأشرار و أولئك  المشركين و المنافقين و الملحدين و العلمانيين ، ثمّ تتكبّر عليهم بأنها خير امة و تتبارى المنابر في الدعاء عليهم …و هكذا تتجيّش العواطف و يبرع في ذلك مشايخ من كل نوع و على كل شكل و تفتح لهم المنابر و وسائل التواصل …و يتواصل الفقر الفكري المدقع و ينسى هؤلاء أنّ الله خلق العبد للعبادة بالعمل و العمل يكزن بفكر فإن خان الفكر هان العمل وإن تجمّد الفكر تحجّر العمل  و إن تصحّر الفكر تقهقر العمل …و هكذا لا يأتي فكر الفقر إلا بكفر يلبس جبّة الإيمان و ينتشر الجهل بأمهات الأمور فتفسد العبادة لأن الله لا يُعبد بجهل …و الذي ليس له تصوّرات للكليّات لن يفلح في تحقيق الجزئيات و لان الحاكميات  نافذة و من الحاكميات أن  التمْكين المادي و قوامه الاقتصاد الذي هو سيّد السياسة هو الذي يضمن للأمة قوامتها على نفسها و قبول الآخرين لها و إذعانهم لها لأن اليد العليا خير من اليد السفلى  …كما أن الأخذ بناصية العلوم الدنيوية ضرورة لأنها ليست فقط علوم تمكين في الدنيا بل هي بالأساس علوم دينية  تجعل الإنسان يعبد الله بعلم و يخشاه بعلم بل أنّ الأكثر خشية  لله من العباد هم العلماء و لعلها الخشية الوحيدة الصادقة لاعتمادها على قراءة باسم الله و في  خلق الله، و لا عجب في أن يكون أول ما نزل من القران الكريم : اقرأ باسم ربك الذي خلق …و أنْ يُكرّم  العلماء في الكتاب الحكيم :  إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ

يوسف السبوعي

youcefesboui@yahoo.fr

الإعجاب و المشاركة:
fb-share-icon0
20

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Twitter20
Visit Us
Follow Me
139