الحوار الوطني الاقتصادي … من هنا نبدأ

 الحوار الوطني الاقتصادي ... من هنا نبدأونحن  في أواخر سنة 2013 بدأ يتجلي  شيئا فشيئا واقع الاقتصاد التونسي ومدى قدرته على تحقيق نسب النمو المتوقعة  فتحقيق نسبة نمو تقارب 2.7%  خلال العشر الأشهر الأولى من هذه السنة بالتوازي مع انخفاض حاد في قيمة الدينار و تراجع سعر صرفه أمام العملات الأجنبية  وازدياد عجز موازنة التجارة الخارجية واحتداد أزمة المالية العمومية   يؤشر لأن  الصعوبات الاقتصادية ستزيد حدة خلال  سنة 2014  إذا لم يتحرك عقلاء البلاد وحكماؤها لوقف النزيف  الاقتصادي الذي تعاني منه البلاد منذ الثورة  والذي لا يبدو بتاتا أن الطبقة السياسية  واعية به أو تعير له انتباها

إن  تباطؤ وضعف نسق  النمو الاقتصادي المصحوب بارتفاع معدل التضخم وبركود تضخمي قد زاد الطين بلة و وضع ضغوطاً متزايدة على الطبقة الشعبية محدودة الدخل التي تواجه  أسعاراً مرتفعة للسلع الأساسية والخدمات  فضلاً عن ارتفاع معدلات البطالة التي لا يمكن امتصاصها على مدى متوسط إلا بتحقيق معدل نمو يقارب نسبة 7%  وهذا أمر قريب من المستحيل في الظروف السياسية الراهنة

إن جماعة ( تأييد الشرعية)  مبتهجون بنسبة النمو الاقتصادية في حدود 2.7% لأن ذلك يكذب ويدحض  أغنية الإفلاس والانهيار التي تفنن المعارضون في عزفها طوال السنة باستعمال كل النوتات الموسيقية  وأما جماعة ( نهاية الشرعية ) وهم  المبشرون بالإفلاس تنبعث منهم مشاعر التألم والإحباط لأن الاقتصاد التونسي أثبت مرة أخرى  أنه ثابت و متماسك ويتمتع بمرونة وقدرة عجيبة  على امتصاص الصدمات رغم ما أكتنف  هذه السنة من حوادث أليمة بدأت بالاغتيالات وانتهت للتفجيرات  وهذا دون أن ننسى أننا حققنا الرقم القياسي العالمي في الإضرابات والاعتصامات  وهذا ما يجعلني أؤكد أنه رغم ضعف نسبة النمو إلا أن ذلك يعتبر إيجابيا مقارنة بظروف الإرهاب ومحاولات الانقلاب التي حصلت طوال هذه السنة بالبلاد

ان الاقتصاد التونسي ليس في حالة خلاص كما يعتقد البعض وليس كذلك  في حالة إفلاس كما يتوهم البعض الآخر  بل إن الخط البياني للوضع الاقتصادي ينحو نحو مزيد التأزم والاختناق في غياب بدائل وحلول حقيقية ملموسة وفي   غياب الرؤية الواضحة في خضم التجاذب السياسي والتعصب الأعمى للأحزاب والأيديولوجيات فالكل في تونس يتحدث عن غلاء الأسعار وشطط المعيشة  والكل يتباكى مصير الطبقة المتوسطة والضعيفة ولكن لا  أحد يتحدث عن الأسباب العميقة أو يحللها  و لا أحد يقترح حلول بديلة واقعية  فالكلام النقدي والتحذيري والتخويف من تباعد الفجوة المعيشية بين الطبقات الاجتماعية هو في غالبه  كلام مرسل وأجوف و  ليس أسهل منه  قولا وتصريحا خاصة في البلاتوهات وأمام التلفزات  أما البناء الحقيقي  والتنظير العملي وتقديم البدائل الحقة والآليات الناجعة  فهي من أصعب المسائل لأنها تتطلب فهما صائبا  وتحليلا نافذا  ورؤية واضحة للمستقبل القريب والبعيد  وهذا مما لا يتوفر حاليا  للأسف في المشهد التونسي فالكل منصب اهتمامه على المحافظة أو الانقضاض على كرسي الحكم ويتجاهلون أن هذا الكرسي لا يمكن أن تستقيم قواعده إلا برؤية اجتماعية واقتصادية واضحة  توفر الحد الادني من العدالة الاجتماعية والاقتصادية لعموم التونسيين ويتجاهلون كذلك أن كثرة الكلام وإطلاق الوعود الجوفاء لا تكسي عاريا ولا تسقي ظمآنا ولا تقيم أود البطون الجائعة

إن الإطناب المرضي في الحديث عن الشخصية الوطنية المستقلة القادرة على قيادة المرحلة المقبلة هو حديث شخصاني أجوف وإفلاس فكري للطبقة السياسية التي مازالت تؤمن بنظرية المنقذ والمخلص وهي نفس النظرية والرؤية  التي تبنتها النخب منذ الاستقلال ورجعت علينا بالوبال فالحوار الوطني الحقيقي  غائب عن الإفهام والأذهان والتركيز السياسي و الإعلامي على إختيار الأسماء  يعكس فشل النخب في فهم إستحقاقات الثورة  والمطالب  الحقيقية للتونسيين  فالحوار الوطني الحقيقي مطلب متروك ومغيب وهو الحوار  الذي يجب أن يضم  ضرورة كل التيارات والحساسيات ويكون له موضوع واحد حارق وهو الخيارات الاقتصادية التي يجب إتباعها و اختيار نموذج التنمية الأكثر عدلا وتناسبا مع الوضع التونسي في خضم تركة الفساد الموروثة والأزمة الاقتصادية العالمية التي تتداعى على الاقتصاد التونسي ….

و في غياب هذا الحوار الاقتصادي كضرورة أساسية من إستحقاقات الثورة  سيكون الحوار السياسي مجرد تقاسم غنائم غير موجودة أصلا إلا في أذهان الانفصاميين ومزايدات بيزنطية على لقمة عيش التونسي وقد سبق أن صرح محافظ البنك المركزي منذ فترة قليلة  وهو الأعلم بحال الاقتصاد  : أخشى أنه مع نهاية الحوار حول اقتسام الغنائم لا يجدوا غنائم ليقتسموها … وأن يكون الفقر هو الغنيمة الوحيدة التي يوزعونها على الشعب التونسي…وللأسف الفهم المحدود للطبقة السياسية وعدم قدرتهم على التقاط اللحظة التاريخية جعلتهم غير قادرين على استيعاب وفهم هذه الرسالة العميقة

 

الإعجاب و المشاركة:
fb-share-icon0
20

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Twitter20
Visit Us
Follow Me
139