فشلت المعارضة فتحرك القضاة

ثم جاء الانقلاب الثاني ذات فجر من شهر نوفمبر1987 ،تحت غطاء طبي استولى بموجبه الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي على الحكم ليعيث في البلاد فسادا طولا وعرضا بعد ان تمكنت منه مافيا زوجته ليلى الطرابلسي وأعمت بصيرته،إلى أن جاءت ثورة 17 ديسمبر 2010 لتزلزل الأرض تحت أقدام هذه العصابة لتشفع بالزحف الشعبي يوم14 جانفي/يناير2011 فيهرب بن علي تاركا أهل البلاد في البلاءـ كما يقال.

ورغم أن طيف بن علي ظل مسيطرا على الساحة التونسية من خلال مواصلة رئيس وزراءه محمد الغنوشي ورئيس برلمانه فؤاد المبزع(رئيس الجمهورية الأولى بعد الثورة)إلا أن انتخابات أكتوبر2011كانت بمثابة أول صفحة ناصعة تُكتب في تاريخ البلاد العربية.

حيث شهد لها العالم بنزاهتها وشفافيتها ،والأهم من هذا كله بمصداقيتها..

خلنا أن هذه الشهادة ستكون بمثابة ولادة أول تجربة نعتز بها محليا و اقليميا وحتى دولياـ ولأول مرة نسمع عن برلمان ينتخب رئيس دولته وحكومته بعيدا عن الرقم الشهير 99،99 بالمائة.

وكنّا نُمني النفس،أو قل كنا نتخيل،أن القطع مع الانقلابات قد اصبح"ماركا"تونسية،ولكن ما نعيشه ونشهده منذ مدة من تجاذبات وتصريحات وأفعال أعادت لنا صورة الانقلاب إلى الأذهان.

فالمعارضة التونسية التي لم تجن مراكز قوى داخل المجلس التأسيسي(البرلمان المؤقت) استطاعت أن تشتري بالمال الفاسد ما عجزت عنه بالشعب وأصبحنا ولأول مرة في التاريخ الحديث نسمع عن عمليات بيع وشراء لنواب.

كما أصبحنا نسمع عن سفريات وترحال بين كتل نيابية،أو عن تشكل كتل أخرى بمقابل مادي .

ومن هذه الصورة كانت لبنة الانقلاب الذي سنأتي عليه لاحقا.

أما اللبنة الثانية في هذا الانقلاب فهي الماكينة الإعلامية التي تجنّدت،إما طوعا أو كرها،أو حبا في الماضي أو حقدا على الحاضر لترمي صواعقها على الحياة السياسية وتقتيم حياة المواطن التونسي لإعادة تشكيل المشهد البائد.

ثم ها أن البلاد تشهد حركة تمرد جديدة يقودها بعض القضاة الفاعلين على ساحة القضاء التونسي وفي مقدمتهم المحكمة الإدارية بعد أن فشلت حركات التمرد الأخرى.

بعض القضاة قرروا اخذ المشعل من الأحزاب السياسية المعارضة واتكلوا على "حيادهم"المفرط لتعطيل أي تحرك دستوري من أجل وضع السلطة العامة أمام الأمر المقضي،وبالتالي التسليم بحقيقة المعارضة، وهي ترك الحكم طبقا لخارطة الطريق التي وضعها اتحاد الشغل واتحاد الأعراف ونقابة المحامين ورابطة حقوق الإنسان، وهي الخارطة التي لم يتسن الخروج من عنق زجاجتها بعد الكشف عن المصيدة التي وضعت للأحزاب الثلاثة الحاكمة وخاصة حزب النهضة الإسلامي من اجل اقصائها نهائيا من المشهد السياسي الحالي والقادم.

خلاصة القول أصبح للتونسيين شكل جديد من الانقلاب وهي "ماركا"تونسية بامتياز .

ولكن هذه "الماركة"ظاهرها توافقي بين فرقاء لا يجمعهم في باطن الحقيقة أي شيء، وهي"ماركة"لا يمكن أن تكون إلا مهترئة إن لم اقل فاسدة ولن يُكتب لها النجاح والتاريخ سيشهد بذلك.

الإعجاب و المشاركة:
fb-share-icon0
20

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Twitter20
Visit Us
Follow Me
139