حاتم زعرة:البنوك الأجنبية في تونس:بنوك تخلّت عن المؤسسة التونسية

ما مدى تأثير البنوك الأجنبية على مجمل مرابيح التعاملات البنكية خاصة المحلية منها؟،هل أن البنوك الخليجية تنشأ بموجب قانون البنوك الأجنبية؟ وعلى أي أساس يتم تغيير صيغة البنك من استثماري إلى تجاري؟ إضافة إلى العديد من التساؤلات الأخرى التي تستحق الطرح حتى تزيح الغموض من خلال البحث عن  ماهية البنوك وأدوارها وأهميتها بالنسبة للنسيج المالي المحلّي.

نهاية العشرية الماضية ارتأت تونس إعادة هيكلة منظومتها البنكية من خلال برمجة واسعة لتحسين الإنتاجية والقدرة على المنافسة الخارجية والرفع من مساهمتها في تمويل الاقتصاد الوطني.

ولإضفاء مزيد من الديناميكية حاولت إرساء مناخ أكثر جاذبية لاستقطاب البنوك والمصارف الأجنبية وخاصة الأوروبية والخليجية وتوفير شروط ملائمة كفيلة بجلب هاته البنوك والهيئات ذات الصيت العالمي وتحفيزها على التمركز في الساحة التونسية.

وبعد الثورة في تونس تغيرت عديد المعادلات التي أفرزت مزيدا من الصعوبات حالت دون ازدهار العديد من البنوك كما حدّت من ربحها الذي يمثل دعامة إحداثها.

وبطبيعة الحال فان تلك الظروف الطارئة أدخلت البنوك في مسارات جديدة تجعلها رهينة إما التكيف مع الواقع التونسي الجديد أو إعلان انسحابها من مجال أصبح بالنسبة لها "منطقة مخاطر" أو ارض رمال متحركة غير مأمونة العواقب.

في هذا الصّدد أكد السيد حاتم زعرة المدير المركزي للخزينة وأسواق المال بإحدى البنوك التونسية لـ"اليوم"أن ما نشهده حاليا بعد سنتين عسيرتين هو تراجع واضح لصلابة القطاع البنكي مثل القروض غير المسدّدة إضافة إلى بطئ وتيرة النمو التي لا تخدم المؤسسة البنكية في تونس وتراجع القطاع غير المقيم والمؤسسات الأجنبية التي لم تعد تستوطن في تونس مثلما كانت في سنوات ما قبل الثورة. هذا ما جعل القطاع البنكي اليوم يعاني صعوبات كبيرة منها ما يتعلق بالسيولة ومنها ما يتعلق بالصلابة.

وفي تحليلنا لمكونات القطاع البنكي فانه منقسم إلى بنوك مقيمة وأخرى غير مقيمة علما وان جميع البنوك تخضع لنفس القانون المنظم للقطاع البنكي لكن السؤال المطروح منذ الثورة إلى اليوم هل أن البنوك غير المقيمة أدت واجبها وكأنها ردّت الجميل لسنوات كانت فيها نسبة النمو محترمة والأرباح كانت هامة؟ أي هل واصلت دعمها للاقتصاد الوطني؟

البنوك الأجنبية لا تحقق أهداف الاقتصاد التونسي

بين السيد حاتم زعرة أن البنوك الأجنبية التي أخذت حصصا كبيرة في البنوك التونسية وأصبحت لديها الأغلبية majoritaire لم تؤد واجبها منذ اندلاع الثورة رغم إننا انتفعنا عند بيعها بمبلغ محترم من العملة الصعبة لكن مثل البنوك التي لها صيت متميز ومكانة هامة في العالم لم تعط لا معرفة ولا تقنية إضافية ولم تؤطر وتحسّن في الأداء وجودة ونوعية الخدمات في تونس.

هناك خيبة أمل من هاته البنوك التي أصبحت تزاحم البنوك المحلية بطريقة شرسة ولم تبادر بالرفع من رأس مالها في الوقت الراهن.

وبما أن الاقتصاد في أسوأ حالاته فان جانبا من هاته البنوك تخلّت عن المؤسسة التونسية رغم أن التأشيرة التي منحتها تونس مبنية على التآزر مع المؤسسة ففي هذه الفترة الحرجة لم تبق إلا البنوك المحلية ذات رأس المال التونسي مؤمنة بالاقتصاد التونسي وليس لها اختيار أخر حتى تساهم في تمويل البنوك العمومية والبنوك التونسية ذات رأس المال التونسي الصرف.

وأضاف أن هذه المؤسسات ساهمت في تمويل العديد من المشاريع الكبرى وبما أنها لم تأخذ مخاطر إضافية على القروض في تونس منذ سنوات فان نسبة المرابيح ستتراجع رغم أنها مضمونة وهذا ما يعاب على النظام السابق نظرا لان هذه البنوك كانت تتمتع بحصانة مبالغ فيها باعتبار قيمتها الدولية فقد ساهمت في عمليات مالية مركبة ومعقدة تقتضي حرفية وضمانات أجنبية.

لكن المطروح اليوم هل أن تبويب البنوك إلى مقيمة وغير مقيمة من أولويات الثورة؟ .

شدد محدثنا أن من أولويات البنك المركزي اليوم السعي إلى إزالة التفرقة بين هذين النوعين من البنوك حتى يعطي لكليهما أكثر حقوق وواجبات لأن،شكليا، النسيج الاقتصادي المتكون من الشركات غير المقيمة فيه مخاطر أكثر من النسيج الاقتصادي الأخر.

فمخاطر البنوك المقيمة ليست كبيرة وقد ساهمت بقدر محترم في تغذية الاقتصاد التونسي وخلق الديناميكية في السوق وتنمية العرض على العملة الصعبة والمطلوب مزيد تدعيمها أكثر في الأيام القادمة.

تغيّر أهداف البنوك عمّق الأزمة…

تونس اليوم يفتقد جسدها المالي تدريجيا ما نعبّر عنه في هذا المضمار "بالمناعة" خاصة مع التنزيل المستمر للتصنيف الائتماني بحوالي ثلاثة تنزيلات بالنسبة لوكالة "موديز" خلال سنة واحدة مما أوصلها إلى درجة عالية من المخاطر ثم في درجة غير ضامنة في رأس المال وتبقى درجتين لتصل إلى عدم ضمان رأس المال،مما يعسّر خروجها للأسواق المالية وقد يصل به حد الاستحالة.

وعن مصاعب البنوك الأجنبية في تونس والحوافز التي تدعم إنشائها أوضح السيد حاتم زعرة أن الصعوبة موجودة وهي تزداد فمستوى البنوك في تونس عال جدا إذ نجد50 بالمائة من المواطنين لديهم حساب بنكي لذا فإن تواجدها بكثرة جعلها تتزاحم مما جعل البعض منها مهددا بالانقراض لأن السوق لم يعد يتحمل هذه الكثافة البنكية.

كما أن قرار تحويل البنوك من بنوك استثمارية إلى بنوك تجارية استهلاكية عمق الأزمة وبالتالي تغيرت أهدافها وأصبحت موجهة للاستهلاك و القروض و التمويلات السهلة بينما كان سبب إنشائها في التسعينات استثماري بالأساس .مما سبب مخاطر تتمثل في أن هذه القروض الاستهلاكية تموّل المواطن دون ضمانات (الضمان الوحيد يتعلق بالأجر) عكس ما كانت عليه في السابق يكون الضمان مقابل  (بعض المعدات أو الأرض)كما انه لا وجود لأمل استرداد لهاته القروض .

فتغيير صبغة البنك من استثماري إلى تجاري ناتج عن قرار شمولي بين البنك المركزي و وزارة المالية في العهد السابق والذي يدعو إلى عدم التفريق بينهما وهو قرار غير صائب و الدليل إحداث بنك التضامن و بنك المؤسسات الصغرى و المتوسطة كقرار تصحيحي لخطئ لابد من تلافيه .

خصخصة البنوك قرار فرضه صندوق النقد الدولي

وعن رؤيته المستقبلية للوضع الاقتصادي عامة و القطاع المصرفي خاصة أكد السيد حاتم زعرة انه ليس هناك تنمية دون قطاع بنكي ولا اعتقد أن فكرة دمج البنوك العمومية الثلاث الشركة التونسية للبنك و بنك الإسكان و البنك الوطني الفلاحي هي عملية يسيرة ،فالدمج هو من القرارات التي فرضها صندوق النقد الدولي في منحه للقرض والذي تمخضت عنه توصيات تمثلت في إعادة النظر في صلابة البنوك العمومية علما و أن الدمج يكون مقترنا في كل دول العالم بعملية تكامل .

ويؤيد "زعرة" خصخصة البنوك بأموال تونسية، خاصة أن البنوك تعيش وضعا هشا لا يسمح لها بجلب الأسواق المطلوبة،فعلى سبيل المثال العملية الأخيرة لخصخصة البنك التونسي أو بيع الحصة التي كانت لدى النظام السابق رست المناقصة على صندوق استثمار من "لكسمبورغ" لكن بعد تحري البنك المركزي حول مهام هذا الصندوق وصيغته (صندوق مضاربة) والأفراد المكونين لرأس المال قرر البنك المركزي رفضه مضمونا رغم حيازته لكل الشروط.

وبالتالي، لابد من التدقيق إضافة إلى إعداد وإحداث برنامج طموح لإعادة هيكلة البنوك بالأموال العمومية حتى تسترجع هاته البنوك جانبا من بريقها وصلابتها كونها أداة من أدوات السلطة التنفيذية حتى تكرّس على ارض الواقع خططها الاقتصادية و التنموية.

الإعجاب و المشاركة:
fb-share-icon0
20

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Twitter20
Visit Us
Follow Me
139