تونسيون يؤكدون..الفوضى تكاد تتحول إلى خبز يومي في شوارعنا

سمية البرهومي-33 عاما – تحدّثت عن الفوضى في الطريق العام  وقالت  إن العديد من الظواهر و السلوكيات  أصبحت ملفتة  لانتباه وأعربت عن أسفها الشديد مما آلت إليه الأوضاع بتونس و اعتبرت أن تزايد وتيرة العنف مرده الانفلات الحاصل على جميع المستويات  ووصفت ما نشهده اليوم بغير الطبيعي.

 و أضافت أن  التونسي  لم يشعر بأن الثورة قد استجابت لمطالبه فمرّ إلى التصرف بهذا الشكل من خلال ارتكاب مثل هذه الممارسات ونبّهت محدثتنا من تزايد حالات وموجات العنف.

أما محمد غالي – طالب بكلية الآداب- فقد اعتبر أن التونسي أصبح  يشعر بالجور وغياب العدل و خاصة عندما يرى أجور أعضاء المجلس التأسيسي والحكومة مرتفعة مقارنة بدخله البسيط الذي لا يفي بالحاجة.

تدنّ أخلاقي في الشارع كلاما وسلوكا

محمد أمين البالغ – 25 عاما – قال:الفضلات و الأوساخ تكتسح كل المدن التونسية ناهيك عن محاولات الغش والتحيل وقال فعلا هناك  تدنّ أخلاقي في الشارع كلاما وسلوكا بسبب الفهم الخاطئ لديمقراطية والحرية.

من جانبها قالت "كوثر" أن الشعور بغياب القانون ودولة المؤسسات وتزايد الأزمة الاقتصادية والبطالة ساهم بدرجة كبرى في تزايد غضب التونسي محذرة  من اللجوء إلى السلاح  ووصول التونسي  إلى العنف المسلح وأوضحت  أنّ الجميع ينعم الآن بالحرية في تونس وكل طرف أراد أن يكيّفها بطريقته الخاصة، وأضافت :" نحن نرفض العنف إذ يمكن أن تخالفني الرأي دون أن تصل إلى مرحلة تقوم فيها بتطبيق القانون لتأخذ مكان الدولة التي وحدها يمكن أن تمارس "العنف الشرعي".

«تكاد الفوضى تتحول إلى خبز يومي على طول الشارع» هكذا استهلت "ألفة المنجلي" حديثها  معنا  وقالت أن الصورة اليومية أصبحت مختزلة بإجماع عدد كبير من التونسيين  في عبارة واحدة : فوضى عارمة مؤكدة  أن الظاهرة السائدة اليوم على طرقات تونس هي عدم احترام ضوء التوقف (الأحمر) وعلامة قف.

أما "جهينة البرينصي"قالت:أن أغلب الفضلات المنزلية والصناعية تغمر الأنهج والشوارع، بسبب الإلقاء العشوائي للقمامة في كل مكان وبقائها طيلة أيام وأحيانا أسابيع دون أن يقع رفعها.

تراجع الشعور بالمسؤولية

"زازية  البراني"- أم لثلاثة أطفال- حدثتنا عن ظاهرة ملفتة لانتباه كاحتلال الأرصفة من قبل الباعة المتجولين والمقاهي والسيارات الرابضة وبعض المحلات التجارية وقالت أن هذا المشهد يعكس في رأي الكثيرين حالة الفوضى التي أصبحت إحدى «ميزات» الشارع التونسي.

تونسيون  يؤكدون..الفوضى تكاد تتحول إلى خبز يومي في شوارعناالعمل في الإدارات أصبح يتسم كذلك بالفوضى التي تعود أسبابها حسب "بسام البرقاوي" الأستاذ الجامعي إلى «تراجع الشعور بالمسؤولية لدى بعض الموظفين و ضعف المراقبة مما  يُسهل تغيب البعض عن العمل ويشجعهم على عدم القيام بواجباتهم على أحسن وجه.

و إلى جانب مختلف مظاهرا لفوضى تذمر"بسام"من انتشار فوضى السلوك في الشارع من خلال التلفظ  بالكلام البذيء على مرأى ومسمع الجميع وعدم احترام صغير السن للكبير وفي الاعتداءات المجانية بالعنف التي يرتكبها البعض في الشارع أو حتى في العائلة أوفي مواقع العمل دون موجب.

 ورأى محدثنا  أن الحل يكمن في  الردع و تطبيق القانون إلى جانب التوعية و ردع المخالفين هو  للقضاء على كل مظاهر الخرق اليومي للقانون و اعتبر انه يكفي تطبيق القانون على كل من يرتكب مخالفة  وعلى كل من يُخل بالسلوك العام في الشارع.

تونسيون  يؤكدون..الفوضى تكاد تتحول إلى خبز يومي في شوارعناأما"سهام"- أم لثلاثة أطفال-  فقد تساءلت  باستغراب شديد عن تفشي الغش والتحيل بعد الثورة بهذا الشكل الغريب خاصة داخل المحلات التجارية و قالت أن الغش أضحى خبز يومي و أمرا شبه شائع في تونس وهو من قبيل العادات السيئة

و دعت إلى ضرورة التصدي لهذه الظاهرة و ردع المارقين  عن القانون واصفة هذه السلوكيات بغير الأخلاقية واللاإنسانية

ويشاطرها الرأي"السيد بن عيسى"الذي قال  أن الأسعار كانت في السابق مقبولة وانه كان بإمكان المواطن التونسي ملء قفته ولكنه اليوم يعجز عن ذلك ،مشيرا إلى أن أسعار الفول والحمص واللوبيا والتي يعتبرها البعض غذاء الفقراء وبديلا عن «اللحوم» شهدت بدورها ارتفاعا متواصلا.

واستغرب محدثنا كيف يصل سعر «العلوش»-اللحم الضأن- في تونس التي تعتبر «بلد الخيرات» إلى 22 دينارا وفسر تغير سلوك التونسي بموجة الغلاء الذي لم تشهده تونس من قبل.

الدكتور شهاب اليحياوي مختص في العلم الاجتماعي لـ"اليوم"

هذا ما يفسر التغيرات في سلوك التونسي بعد الثورة

تونسيون  يؤكدون..الفوضى تكاد تتحول إلى خبز يومي في شوارعناحول مختلف هذه الظواهر التي مست سلوك التونسي بعد الثورة توجهت "اليوم" بالسؤال إلى الدكتور شهاب اليحياوي والذي أكد أن  سلوك التونسي شهد  بعد الثورة تبدّلا نحو التملص من الضوابط الاجتماعية ذات السلطة القهرية والتوجيهية لسلوكه نحو فرض قيم الاحترام للأكبر سنا أو للمدرس أو للمسئول ….

و قال أن  التونسي أصبح  يميل في تواصله اليومي إلى نزعة  اقصائية تهجمية على الآخر والتملص من الضوابط التي تكبح سلوكه أو تعدله بالنظر إلى القيم الأخلاقية والمجتمعية محل الإجماع بين عناصر المجتمع الذي يتحرك ويحي ويتفاعل ضمنه الفرد.

كما أصبحت النزعة العدوانية واضحة في سلوكه اليومي .

و قال الدكتور شهاب اليحياوي أن ما يفسر هذه التغيرات في سلوك التونسي بعد الثورة هو ارتفاع منسوب الضغوط اليومية المسلطة على الفرد بفعل تفاقم مشكلات كانت تبدو قابلة للسيطرة عليها في كثير من الأحيان إلا أن الوقائع اليومية والمناخ العام وانسداد الأفاق المستقبلية وتواصل تفاقم مشكلات الغلاء المعيشي وعدم قدرة الدولة والمجتمع على إيجاد أمل الانفراج على المدى القريب ، خلق لدى التونسي بمختلف شرائحه العمرية والمادية والفكرية حالة من الإحباط وفقدان الأمل والمعاناة النفسية التي تفرزها كثافة الضغوط وانسداد أو انعدام الأمل في انفراج الأوضاع .

مشيرا إلى أن هذه الحالة النفسية الاجتماعية انعكست على سلوك التونسي الذي لم يعد قادرا على السيطرة على انفعالاته وردود أفعاله بفعل حالة الاكتئاب النفسي والشد العصبي المستمر . لذلك نجده عنيفا في ردود أفعاله ورافضا لمنطق التواصل المجتمعي لا إراديا لكونه يحمل في تصوره وقناعاته الواقعية يأسا وإحباطا .

و أفاد الدكتور شهاب اليحياوي أن الحالة العامة التي تسود المجتمع التونسي اليوم تتسم بانخراط جنوني للمجتمع السياسي والإعلامي والفكري في موجة غبية من التجييش للمواطن عبر الشارع ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي خلقت مناخا اجتماعيا متوترا اتسعت تأثيراته لتشمل حتى العلاقات الأسرية والزوجية وبين الآباء والأبناء .

و اعتبر انه  لم يعد للمواطن التونسي مجالا أو فضاء متنفسا من الضغط والشد العصبي بفعل كثافة وتعدد مجالات الضغط : على غرار الغلاء المعيشي ، انخرام العلاقات المهنية داخل فضاءات العمل ، غياب الإحساس بالأمن وسيطرة الخوف  كبّل المواطن التونسي وضيق عليه مجالات التحرك والتنقل وجعله في أحيان كثيرة غير قادر على تلبية واجباته  الاجتماعية وقال أن  الفضاء الاجتماعي للمواطن أصبح ضيقا إلى ابعد الحدود بفعل عوامل الخوف من الإرهاب والإجرام ويقينه بحالة الانفلات  السائدة والضعف الأمني

و اعتبر أن المبررات منها النفسية والمادية : فنفسيا يصنف هذا ضمن رد الفعل على عقود من الكبت وسيطرة الدولة على كامل مفاصل حياة الفرد ودكتاتورية نظام الحكم فهو بمثابة تمرد نفسي على هيبة الدولة ورد فعل يريد أن يثبت لنفسه انه قادر على الاستقواء أو من ناحية أخرى فان هذا السلوك هو نتاج مفاهيم خاطئة عن الحرية والديمقراطية كما أن للدعوات غير المسئولة من قبل الأطراف المتصارعة على السلطة والتي توظف نقاط ضعف المواطن لتدعوه إلى التمرد على الدولة وعلى التقاليد والأعراف السائدة في هذا السياق للتملص من القيام بواجباته تجاه المجموعة تحت ذرائع أن النظام الحاكم اليوم لا يقدم الخدمات المناطة بعهدته وبالتالي تشجع المواطن على التهرب الضريبي واستنزاف المكاسب الوطنية وتخريبها وهو سلوك غير واعي من ناحية المواطن وغير وطني من قبل الأطراف التي تدعو إلي ذلك. فهي من حيث تعلم أو لا تعلم تأسس لمقومات انهيار مفهوم الدولة والذي سيعود بالوبال لا على السلطة القائمة بل على المجموعة الوطنية وعلى أي جهة سترقى إلى السلطة مستقبليا وهي تؤسس للفوضى والدمار .

و خلص الدكتور شهاب اليحياوي إلى القول بأن منطق الغنيمة الذي يحكم عقليات البعض هو الدافع إلى استغلال ضعف أو إضعاف آليات الدولة القهرية للتهرب من أداء الواجب والاحتكار والمضاربة والإثراء غير الشرعي والقانوني على حساب المجموعة الوطنية.

الإعجاب و المشاركة:
fb-share-icon0
20

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Twitter20
Visit Us
Follow Me
139