الصافي سعيد لـ اليوم: إعلامنا بروباغندا، نخبنا ديماغوجيّات تتصارع و بقيت الذّكرى من الثّورة

وضع الإعلام في تونس يختلف عن وضعه في باقي الدّول العربيّة لأنّ كلّ بلد صورته التي يحملها على نفسه و يريد أن يسوّقها عن نفسه و الإعلام هو مجموعة مكوّنات منها الثقافي و الاقتصادي و السياسي. لا تستطيع أن تمتلك اعلاما قويّا و السوق الإعلانية ضعيفة أو مهمّشة أو مستوى الحريّات في شتّى المجالات يكون ضعيفا. الإعلام هو النّهر الذي نسبح فيه جميعا و الذي يتدفّق علينا جميعا، هو كلّ شيء و هو ملتقى كلّ المكوّنات الثقافيّة و الاقتصاديّة و الاجتماعيّة و السياسيّة.

لا يمكن أن نتحدّث عن إعلام في ظلّ دولة الحزب الواحد و الصوت الواحد لأنّه في تلك الحالة يتحوّل إلى "بروباغندا" و هذه هي المغالطات التي كنّا نحملها بتسميتنا للـ"بروباغندا" اعلاما، و ما يحدث الآن أنّنا مازلنا نسمّى ذلك المرض (البروباغندا) اعلاما.

في الإعلام التونسي مثلا أشخاص يتبادلون الشتائم و لكنّهم غير مختلفين في الأصل لأنّهم ليسوا مدرستين فكريّتين مختلفتين و لا خيارين اقتصاديّين مختلفين، هم كلّهم خيار واحد نستطيع أن نسمّيه خيار اللّيبراليّة الجديدة في إطار ما تسمّى بالعولمة التي انخرط فيها الجميع و فيها من يلعب دور المركز و من يلعب دور الأطراف.

إذن نحن اليوم مازلنا لم نخرج من "البروباغندا" و الإعلام الحزبي القديم و الرّكيك القائم على الدّعاية و الإشاعة و الشخصنة و المحازبة.

في العالم العربي هناك استثمار في الإعلام في العديد من الدول على عكس تونس لأنّ لهذه الدّول خطابا تستثمر فيه للتسويق لنفسها مثل مصر و السعوديّة و لبنان و قطر.

ماهي قراءتك للمشهد السياسي التونسي؟

أنا عندما قلت أنّ النّخبة نخب كنت أقصد كلّ العالم لأنّنا دخلنا مرحلة الاختصاص. النّخبة هي الفئة التي تمتلك تصوّرات للمستقبل و هؤلاء هم من يملكون زمام الأمور و يقودون التحوّلات بمعنى أن النخبة فيها الكاتب و المصوّر و السياسي و الطبيب و القاضي و المحامي و غيرهم، هذه النّخب كلّها تتشبّع بثقافة إما مستوردة أو محليّة و هناك ثقافة عالميّة يملكها الجميع عبر وسائل الاتّصال المتعدّدة. في خضمّ العولمة، كلّ ثقافتنا أصبحت عالميّة لأن مؤتمرا في جينيف مثلا يهمّ كلّ البشريّة و مؤتمر منظّمة التغذية في روما يهمّ كلّ البشريّة.

الأسئلة التي يجب أن تطرح الآن هي هل أنّ نخبنا هي منتجة للمعرفة أو مجرّد مستهلكة لها؟ ثمّ ما الذي تنتجه لنا من تصوّرات؟ و ما هي قدراتها على امتلاك زمام الأمور؟ على قيادة شعب؟ على قيادة تحوّل ما؟صحيح أن نخبنا موجودة في هذا الخضمّ الكبير لكنّها مازالت تتغذّى من مخزون قديم. نصف النخب أو ثلثيها يملكون ثقافة الجمال لأنّها تجترّ مخزونا قديما إذ رحّلت مشاكلها من الستّينات و السبعينات و فاض بها الأمر إلى حراك الشارع في 2010 و 2011 بمعنى أن تلك الصراعات الإيديولوجية القديمة التي شهدتها الجامعة رحّلت لهذا الزّمن و أصبحت اليوم عبارة عن "ديماغوجيات" تتجوّل في الشّارع تتراقص و تتصارع من أجل هدف وحيد و هو الكرسي و تتلخّص في الشّخصنة.

بماذا تفسّر هذا التصلّب عند النّخب رغم أنّها تصرّح بكونها ديمقراطيّة؟

تصلّب النّخب التّونسيّة اصطناعي و تصلّب مزايدات و عدم إدراك لأنّ التصلّب الحقيقي هو في استيعاب اللحظة و في استيعاب الخصم. العنف ينتقل بالعدوى و لكنّ الدّيمقراطيّة لا تنتقل بها و لو كانت كذلك لكنّا ديمقراطيّين منذ زمن على عكس الإرهاب و العنف اللذان يمرّران بسهولة.

هل من السهل على العقل العربي أن يتقبّل فكرة الدّيمقراطيّة؟

الدّيمقراطيّة ليست صحنا جاهزا تتلذّذه بعد أكله، الدّيمقراطيّة ليست أكلة تقدّم بسرعة، الدّيمقراطيّة هي الجهد الذي تبذله لصناعة ذلك الصّحن، الدّيمقراطيّة تحتاج من يزرعها و يرعاها و يعتني بها.

العالم العربي غير متعوّد على الدّيمقراطيّة لأنّنا مازلنا نعرفها نظريّا و لم نعشها في الواقع و مازلنا لا نعي جيّدا مدى أهمّيتها ثمّ أنّ فرصة الدّيمقراطيّة أتيحت لنا في زمن متأخّر يراجع فيه كلّ العالم مفهوم الدّيمقراطيّة. لا نستطيع أن نبني ديمقراطيّة بالدبّابات و لا بما أنتجته جبال أفغانستان.الدّيمقراطيّة اليوم أصبحت استبداد السّوق و لابدّ من تفهّم هذه المرحلة. علينا أن نتصفّح كتاب الديمقراطيّة و لا نشخصنها أو نحوّلها إلى خطاب أجوف.

أين نحن من كلّ هذا؟

عندما قلت بأنّنا مندمجون في العولمة، هذا صحيح، لكن في العولمة هناك صراع يحاول فيه القويّ أن يبقى قويّا و الضّعيف قد يبقى ضعيفا و مهمّشا.نحن مجرّد مستهلكون للعولمة لأنّنا لسنا مركزا بل أطرافا. هناك صراع على قلب العالم بين أمريكا و الصّين أمّا البقيّة فمجرّد حواضر و أطراف.نحن محيط العولمة لأنّنا لا ننتج شيئا.

تونس في حاجة إلى شكل من أشكال الدّيمقراطيّة الأهليّة بعيدا عن المزايدات و الحزبيّات الضيّقة على غرار إنشاء ما يقارب 15 حزبا بورقيبيّا في حين أن حزبا واحدا كان كافيا و غيرها من الأمثلة لأنّ الأحزاب في العالم تعبّر إما عن طبقات أو مناطق أو طوائف، في تونس مثلا ليس لنا طوائف و لا أفكار كبيرة و لا طبقات متعدّدة فالحزب اليساري يدافع عن البورجوازيّة و الحزب اليميني يدافع عن الطّبقات الكادحة و هذا دليل على غياب الفرز النّظري.

لا بدّ أن نتوقّف عن المزايدات و نتحاور جدّيا، حوارا ننظر فيه للمستقبل بعمق و لا ننسى فيه عمق الجغرافي المغاربي كسوق استراتيجي.أرض الصين ليست أكبر من الفضاء المغاربي لكن الصينيّين يموّنون العالم من الثّوم إلى حفّارة البترول.لا يمكن أن تفهم السياسة دون فهم الجغرافيّات و الصراعات الدوليّة.

الأموال التي تمّ نهبها من مصر و تونس هي التي يقع توظيفها اليوم لخدمة الثّورة المضادّة فالقروض التي يقع منحها الآن لمصر هي في حقيقة الأمر أموال الرئيس السّابق حسني مبارك المهرّبة إلى الخارج و في تونس أيضا يحدث نفس الشيء.

على كلّ حال، تونس هي مجال و مساحة فيها جزء كبير صالح للزّراعة لكنّها تستورد حوالي ثلثي حاجيّاتها الغذائيّة، نحن نستورد حوالي 82% من حاجيّاتنا من القمح الصلب مثلا في حين أن المساحة التي تزرع طنّا من الطّماطم صالحة لزراعة حوالي خمسين طنّ من القمح و هذا يعود لغياب استراتيجيّات واضحة.

فهل يا ترى كلّ هذا الحديث الذي نتحدّثه يفهمه و يعي به ما يسمّى بهذا الحوار الوطني "حوار الزّفت هذا"؟ أنا أشكّ في ذلك.

ماذا بقي من ثورة الشّعب التّونسي؟

بقيت الذّكرى، ذات يوم كانت هناك ثورة.

الإعجاب و المشاركة:
fb-share-icon0
20

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Twitter20
Visit Us
Follow Me
139